

عندما لا يجد البشر طريقةً لتفادي استخدام تعبيرات مثل “اللون الواحد” و”المكونات” لتوصيف وضع البلد السياسي؛ فنحن بالضرورة أمام مثلية اجتماعية تُعبِّر عن ذاتها في الاجتماع السياسي، والمثلية الاجتماعية تعني غياب قدرة البشر على العمل والثقة إلا مع من هو مثلهم.
وسوريا هذه الأيام أنموذجٌ لهذه المثلية؛ فلا يعمل فيها مفهوم السياسة إلا في أوساطٍ من لونٍ واحد، أي في أوساط مُصابة بالمثلية الاجتماعية التي يتم تصديرها إلى السياسة لتصبح مثلية سياسية. ومع المثلية السياسية تُنهك الوطنية؛ فالمثلية السياسية، بموجب ماهيتها، لا تعيش إلا في الغياب، أي غياب مفهوم الوطنية وإنهاكه دلاليًا، ومعرفيًا، ونظريًا، وعمليًا.
الأصل في السياسة الاختلاف، وليست السياسة فنّ تدبير الاختلاف، إنما هي فنُّ الاختلاف عينه، وهكذا هي الوطنية. يعني ذلك أنَّ ممارسة السياسة في الوطن هي ممارسة الاختلاف بالبديهة، بما تعني هذه البديهة من حفاظٍ على عالمٍ يسمح للاختلاف بأن يظهر من دون أن يتحوَّل إلى عداوة، بل إلى حميميةٍ سياسيةٍ وطنيةٍ تراكم رأسَ مالٍ اجتماعي. هذا الأصل مهمٌ في سوريا لأنّه وثيقُ الارتباط بالحرية، ولأنَّ السوريين لا يزالوا ينظرون إلى الحرية بوصفها غايةً، ونتيجةً أرادوها ثمنًا لكلِّ الألمِ والتضحيات، وما زالوا منذ الثامن من كانون الأول عام 2024، يقولون بثقةٍ وسعادة إنَّهم تحرروا. وهذا التأصيل مهمٌ لأنَّ الحرية تموت حين يصبح الاتفاق غاية السياسية، فالأصل يفيد بأنَّ السياسة تولد حين يصبح الاختلاف شرطًا للظهور المتبادل.
إن كلَّ الهويات، من دون استثناء، وتحديدًا الهويات العصبية والطائفية والدينية والقبيلة مثل التي في سوريا، تراهن على بقاء الاختلاف مجرَّد مشكلة، تكون في أفضل الأحوال قابلةً للحل بوساطة كلماتٍ رديئة منهكة الدلالة وفارغة من المعنى والمضمون الفكري، مثل التعايش، والتسامح، والمكونات، والنسيج، وما إلى ذلك.
تقترح هذه المادة المكثَّفة مقاربةً تنطلق من إعادة تأصيل فهم السياسية الوطنية، فتنقل معناها، ومن ثم غاياتها، من مجرَّد إدخال المختلفين في النظام، وتدبير اختلافهم في أحسن الأحوال، إلى تغيير النظام الذي قرَّر سلفًا من هو الطبيعي (السائد)، ومن هو المختلف. أي، وبصيغةٍ أخرى، تأصيل السياسية بوساطة العمل الذي ينطلق من ردِّ كلِّ هوية إلى رحم الاختلاف بدلًا من ردِّ الاختلاف إلى رحم الهُوية؛ فلا نقول إنَّ ثمة في البلد هويات طائفية وإثنية وقبلية ودينية وغيرها، ولذلك ثمة اختلاف، ومن ثم نحن بحاجةٍ إلى تدبير هذا الاختلاف بالاستناد إلى كلماتٍ مُنهكة الدلالة مثل التعايش والتسامح وما إلى ذلك؛ بل نقول: ثمة اختلاف، ولذلك ثمة هويات متنوعة، وإنَّ أولويَّة هذا الاختلاف على الهوية تعني ضرورة توحيده في مجتمع سياسي يستند إلى مفهوم العمومي (Public).
يقتضي ما سبق تصورًا جديدًا يفيد بأنَّ رحم الاختلاف هو “الكثرة الحرة”، وليس التعدد الهُووي، وأنَّ الهويات لا تهتم بمفهوم الاختلاف إلا عرضًا، بل إنَّ المسألة أقرب إلى مقاربة جيل دولوز التي تفيد بأن كل اختلاف يواصل الخضوع لمنطق هُووي ما ليس اختلافًا، وإنما ضربٌ متنكِّرٌ من السلب. يعني ذلك بوجهٍ أقرب إلى الواقع، أنَّ مقولتَيّ الاختلاف والتعددية في سوريا ليستا إلا ضربًا من السلب حين تحيلان على الاختلاف في الطوائف، والإثنيات، والقبائل، والمناطق، وسائر المعاني التي تشير إليها كلمات مثل “مكونات” و “ألوان” المستخدمة بكثرة هذه الأيام. هكذا، مع المثلية السياسية، تصبح مقولتا الاختلاف والتعددية نوعًا من التخفي بالشعارات التي تلجأ إليه الهويات التي تكره الاختلاف لكي تتملق ذاتها والآخر، ولكي تراهن على رغبة المصالحة التي تحرك هذا الاختلاف الزائف بما يحقق رغبتها في البقاء في دائرة راحتها التي تقبع فيها منذ زمنٍ بعيد بوصفها هويات لا يمكن أن تُعاش إلا بكل ما هو سلبي.
بل وأكثر من ذلك، إن كلَّ الهويات، من دون استثناء، وتحديدًا الهويات العصبية والطائفية والدينية والقبيلة مثل التي في سوريا، تراهن على بقاء الاختلاف مجرَّد مشكلة، تكون في أفضل الأحوال قابلةً للحل بوساطة كلماتٍ رديئة منهكة الدلالة وفارغة من المعنى والمضمون الفكري، مثل التعايش، والتسامح، والمكونات، والنسيج، وما إلى ذلك.. وتراهن الهويات على بقاء الاختلاف مشكلة يتم الاحتيال عليها بما يضمن العودة إلى القطيع الهووي؛ في حين رهان السياسة الأصيل هو أن ينقلب الاختلاف إلى موضوع تأكيد. والاختلاف ليس هوُويًا، بل وسيلةُ تعيِّين المفهومات المجرَّدة، ودليلُ وجودها؛ فلا يمكن مغادرة المجرَّد إلا بالاختلاف، ولا تتعيَّن كلماتٌ مثل مواطن، ووطن، ووطنية، وعمومية، إلا بالاختلاف. وكلُّ متعيِّنٍ مختلف، وفنُّ الاختلاف هو الضامن الوحيد لعدم عودة الحرب. الاختلاف لا يضمن الانتقال من المفهومات المجرَّدة إلى المتعيِّنة فحسب، بل يضمن أن يكون التعيِّين هو التأكيد في ذاته، وفي ماهيته، فلا يتعيَّن مفهومًا بنفي مفهومٍ آخر عنه، بل بتأكيد ذاته الحرة؛ هكذا لا يتعيَّن العلماني بنفي الإسلامية عنه، ولا الإسلامي بنفي العلمانية عنه، ولا الكردية بوصفها ليست عربية، ولا الأكثرية بوصفها ليست أقلية؛ بل يتعيَّن كلٌ من هذه المفهومات بتأكيد ذاته عينها في فضاء الكثرة الحرة التي تسمى وطنًا سوريًا.
يعني ما سبق أن الأصولية في السياسة هي كثرة الأصول، أو فنُّ كثرة الأصول في الحياة العمومية، وهذه الكثرة عينها هي الأصل، فالأصولي في السياسية هو ذاك الذي يتشبَّع بمبدأ “الكثرة الحرة”، وأمَّا الاستعداد
الذهني للعودة الدائمة إلى القطيع الهُووي بوصفه أفقًا وحيدًا لتعريف الذات والآخر، فهذه في العمق هي ما نسميها المثلية السياسية، عافانا الله وإياكم من الإصابة بها؛ فهي منهجُ عملٍ شاذٍ في السعي إلى ولادةٍ جديدة، ومن ثم هي قصور الفعل السياسي وعقمه لأنَّها نقيضُ العمل، ولا يسمح وجودُها للبشر بأن ينتجوا حياتهم بوساطة مفهوم العمل كما يقتضي جوهر السياسة. هذا لأنَّ تلازمًا وثيقًا يربط مفهوم العمل بمفهوم الولادة حتى أن بعض اللغات تشير إليهما باللفظة نفسها مثل كلمة (Labor) الإنكليزية. يعني ذلك أن هذه المثلية بما هي ضد الولادة، هي ضد مفهوم العمل بما يتضمنه من ولادة شيءٍ جديد. وخلاصة القول هي أنَّنا إذا أردنا شيئًا جديدًا في هذا البلد؛ فعلينا أن نعرف أنَّ الاختلاف هو الطريق الوحيد لولادة هذا الجديد، لأنّه الطريق الوحيد إلى مفهوم السياسية، من ثم إلى تعيِّين مفهومات البناء، والتنمية، والعدالة، والرفاه، وجبر الضرر، والتعليم، وحقوق الإنسان، والتصدي للعدو الخارجي، وتحديد المصلحة القومية السورية، وبناء سياسة خارجية متينة قادرة على تحقيق هذه المصلحة.
واستنادًا إلى ما سبق نقول إنَّ المثلية السياسية تعمل ضد تأهيل ذواتنا للحرية، ومن ثم لا يكون البشر معها جديرين بالحرية، ومن ثم لا يكونون جديرين بالسعادة. المثلية السياسية هي غياب قدرة البشر على العمل مع المختلفين، وبناء اتحاد سياسي معهم، وهي التي تنطلق من مبدأ “اعمل مثلي” وإلا لن نكون معًا. ولا يتقن المثليون السياسيون تمرينَ “اعمل معي”، ولا ينتجون إلا الانغلاق التماثلي السياسي. والمثليون في السياسة أقوياء في صناعة العدو، وأكفاء في الحشد الشعبوي لتدميره، وقتله، وشيطنته، إلا إنَّهم جبناء عندما يتعلق الموضوع بالحرية؛ فأكثر ما يخاف الحريةَ المثليون السياسيون، لأنَّ الحرية رديفُ الاختلاف، ونتيجةٌ من نتائج الفكر المتماسك الذي لا يتعيَّن إلا بوصفه نقيض التهوُّي (من هُوية)، والذي يمر من خلال تمرينٍ قاسٍ على تنقية الذاكرة العمومية من ذاكرة العبد الذي يظن أنَّ حمل الأثقال فضيلة، والمستعد لحماية الجماعة الطائفية أو الدينية مثل ما كان الرفيق الطليعي مستعدًا دائمًا لحماية الوطن العربي الاشتراكي الموحد والدفاع عنه؛ فلا هو مستعدٌ لحماية شيء، ولا الشيء الذي يريد حمايته موجود إلا في رأسه الذي يتم حشوه بالأيديولوجيات والوهم والشعارات في كل صباح، ومع ذلك يعتقد أنّه بطلٌ. ولا ينتج هذا الوهم إلا قتل الذات، وتدمير الحاضر والمستقبل، وتشويه الماضي بالأساطير وصناعة الفخر من الكذب.
ثمة فرق كبير بين المساواة بوصفها فكرة مدينية سياسية أصيلة تمنح المختلفين مكانة عادلة، وبين المماثلة بوصفها منهجًا يمحي الفروق.
ويعاني المثليون السياسيون فرطَ الأدرينالين؛ فلا يجدون سبيلًا إلى الحكمة، والاتزان، والتشبع بالمفهومات التي تحتاج إلى قليلٍ من التفكير؛ فالمثلي السياسي لا يمكن أن يهتدي إلى طريقةٍ لتفريغ الأدرينالين الطائفي، والديني، والقبلي، والإثني، ولذلك يعيش حياته مصابًا بداء كره العقل والتفكير، واحتقار الفلسفة والتنظير، ويجعله هذا الأدرينالين متسرعًا ومتهورًا وأرعن. كلُّ المثليين السياسيين يكرهون التفكير، فالأدرينالين العصبوي والعقائدي لا يسمح لهم بأن ينجزوا درجات مقبولةٍ من التفكير المتماسك، لذلك يمكن أن نقول إنَّ كلَّ مثليِّ سياسي مشروعُ قاتلٍ ومنتهكٍ، أو مشروع عميلٍ ومنتقم؛ فغياب التفكير يتطابق مع غياب الضمير. والسلام والعدالة مفهومات لا يمكن أن يصنعها المثليون السياسيون. ويكره المثليون السياسيون مفهوم العمومي، لأنّهم غير مؤهلين لفعل التداول؛ ففي الفضاء العمومي يلتقي البشر ثم يتفقون، أما المثليون السياسيون يريدون أن نتفق أولًا ثم نلتقي؛ فيبدو المشهد مليئًا بالكلمات، ولكنّه فارغٌ من المعنى؛ يتلكم البشر فيه كثيرًا، ولكنَّ لا ينتجون إلا الضجيج؛ فالمثلية السياسية تؤدي إلى أفول مفهوم العمومي لصالح مفهومات الخصوصيات، والأكثرية، والأقليات، والتسامح، والتعايش، وما إلى ذلك من مفهوماتٍ لم تعد قادرة على العمل، ولم يعد ممكنًا أن تتعيّن.
وثمة فرق كبير بين المساواة بوصفها فكرة مدينية سياسية أصيلة تمنح المختلفين مكانة عادلة، وبين المماثلة بوصفها منهجًا يمحي الفروق. والمماثلة نظرية العقل المثلي الوحيدة، فالعقل المثلي يحتقر التنظير والتفكير، وفي الوقت نفسه لا يجيد العمل السياسي إلا مع المثليين، ولا يثق إلا بمن يتشارك معه العقائد، والقناعات، والثقافة، والتوجهات، ورؤية العالم، والدين، والتدين، والحياة، والآخرة، وما إلى ذلك. وهذا العقل المثلي هو الهدف الذي ينبغي أن ينصبَّ عليه نقدنا، فليس من شأن النقد أن يشتغل بموضوعات العقل بقدر ما ينبغي أن يصوِّب سهامه إلى العقل نفسه، أي، في هذه الحالة، إلى العقل المثلي في السياسة الذي لا يزال ينتج الكارثة تلو الكارثة، والذي ولا يسمح بولادة الجديد مع أن القديم حقًا قد مات.
وأخيرًا، قد يكون هذا النوع من الكتابة فعل ضمير بقدر ما هو فعل تفكير؛ فلا ينبغي أن بشعر أحدٌ أنّه المقصود بعينه، فالبلد تغرق بالمثلية السياسة، ولذلك، القصد الأول من هذه الكتابة هو بعضُ الراحة للضمير، ثم المقصود بالدرجة الثانية كلُّ مثليٍّ سياسي يعتقد أن ممارسة مثليته ستؤدي إلى ولادة شيءٍ جديدٍ في هذا البلد، فيُمِعن فيها أكثر، ويتفنن في ممارستها في كلِّ يومٍ أكثر من الذي قبله.





