رفع سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب.. تحول سياسي يفتح آفاق التعافي والانفتاح الدولي

فريق التحرير12 يوليو 2026آخر تحديث :
بسام الرحال
الرئيس أحمد الشرع ووزير الخارجية أسعد الشيباني يحملان رسالة الرئيس ترامب

شكّل إعلان الولايات المتحدة، على لسان وزير خارجيتها ماركو روبيو، بدء الإجراءات الرسمية لرفع اسم سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب، تطوراً سياسياً بارزاً في مسار العلاقات السورية – الأمريكية، باعتباره خطوة تحمل أبعاداً تتجاوز الإطار القانوني إلى إعادة صياغة طبيعة التعامل الدولي مع دمشق، وفتح الباب أمام مرحلة جديدة من الانفتاح والتعاون والشراكات.

وأكد روبيو أن الإدارة الأمريكية بدأت الإجراءات اللازمة لإنهاء هذا التصنيف، في إطار التحولات التي شهدتها سوريا، وما وصفته واشنطن بتغير الظروف والمعطيات المرتبطة بالملف السوري، مشيراً إلى أهمية دعم الاستقرار، ومواجهة الإرهاب، وتعزيز الأمن في المنطقة، بما ينسجم مع المصالح المشتركة.

وجاء الإعلان عقب توجه أعلن عنه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ببدء مسار رفع اسم سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب، في خطوة اعتبرتها الإدارة السورية مؤشراً على تغير طبيعة العلاقة مع واشنطن والمجتمع الدولي، واعترافاً بالتحولات السياسية التي تشهدها البلاد.

وذكر السيد الرئيس أحمد الشرع أن هذا القرار يمثل محطة تاريخية في مسار سوريا الجديدة، ويعكس نجاح النهج القائم على الحوار والانفتاح والدبلوماسية الفاعلة، مشيراً إلى أن إنهاء هذا التصنيف يفتح الطريق أمام بناء علاقات متوازنة مع الولايات المتحدة والمجتمع الدولي، قائمة على الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة، بما يدعم جهود التعافي الاقتصادي وإعادة الإعمار.

هذا التحول يأتي نتيجة مسار دبلوماسي اعتمدته الحكومة السورية قائم على الحوار والانفتاح وبناء العلاقات المتوازنة، في محاولة لإنهاء آثار العقود السابقة في حقبة النظام المخلوع، التي ارتبطت بتصنيف سوريا منذ عام 1979، والذي أصبح، وفق الرؤية السورية الجديدة، لا يعكس واقع البلاد الحالي ولا توجهاتها السياسية ودورها الإقليمي والدولي. وهو قرار يمثل تتويجاً لمسار دبلوماسي جديد انتهجته سوريا، يقوم على الحوار والانفتاح وبناء جسور التواصل مع المجتمع الدولي، بعد عقود من القيود السياسية والاقتصادية التي فرضت على البلاد، كما أنه يعكس تغيراً في مقاربة العديد من العواصم الدولية تجاه الملف السوري.

في هذا التقرير نستعرض آراء خبراء ومحللين اقتصاديين وسياسيين حول أبعاد قرار بدء إجراءات إلغاء تصنيف سوريا دولةً راعيةً للإرهاب، وما يمثله من نقطة تحول في مسار الدولة السورية، وانعكاساته على الاقتصاد والاستثمار وإعادة الإعمار، كما نناقش كيف يمكن لهذه الخطوة أن تفتح مرحلة جديدة، وتعزز فرص جذب الاستثمارات واندماج سوريا في الاقتصاد العالمي.

القرار يعزز مكانة سوريا كشريك دولي

في قراءة الأبعاد السياسية المباشرة للقرار الأمريكي، يرى باحثون أن رفع اسم سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب لا يقتصر على كونه إجراءً قانونياً، ويحمل دلالات مرتبطة بموقع سوريا الجديد في النظام الدولي، وقدرتها على بناء علاقات وشراكات مختلفة. وفي هذا السياق، يوضح الباحث في العلاقات الدولية عمر إدلبي انعكاسات القرار على مكانة سوريا السياسية والاقتصادية، معتبراً أن إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بدء إجراءات إلغاء تصنيف سوريا كدولة راعية للإرهاب يمثل “محطة فارقة في موقع ودور ومكانة سوريا سياسياً واقتصادياً”، مشيراً إلى أن هذه الخطوة تعزز قدرة دمشق على بناء شراكات إقليمية ودولية تمكنها من إطلاق مسار التنمية والتعافي وإعادة الإعمار.

وقال إدلبي في تصريح لصحيفة “الثورة السورية”: “إن القرار يعكس نضج ونجاح الدبلوماسية السورية في تفكيك إرث سنوات طويلة من العزلة الدولية والعقوبات الأمريكية والدولية”، موضحاً أن هذه الخطوة تشكل تحولاً تاريخياً نحو الاعتراف بسوريا الجديدة كدولة فاعلة وشريك موثوق في المجتمع الدولي.

وأضاف أن رفع سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب يمنح شرعية دولية لمسار المرحلة الانتقالية، وينقل البلاد من مرحلة الدولة المعزولة إلى مرحلة الدولة الشريكة ضمن المنظومة الدولية، الأمر الذي قد يساهم في استئناف العلاقات الدبلوماسية وعودة النشاط المتبادل للسفارات والبعثات الدولية.

وأشار إدلبي إلى أن الجانب الاقتصادي يمثل أحد أبرز أوجه تأثير القرار، موضحاً أن إلغاء التصنيف يزيل جزءاً كبيراً من القيود التي كانت تعيق التعاملات المالية والاستثمارية، ويفتح المجال أمام المؤسسات التمويلية الدولية للمساهمة في دعم مشاريع التنمية وإعادة الإعمار.

ولفت إلى أن هذه الخطوة تساعد على إعادة دمج المصارف والنظام المالي السوري في الاقتصاد العالمي، وتشجع تدفق الاستثمارات والمساعدات والنقد الأجنبي، بما ينعكس على استقرار سعر الصرف، وتحسين الظروف الاقتصادية، وتوفير فرص العمل.

وأكد أن التعافي الاقتصادي السوري سيكون له انعكاس مباشر على ملف عودة اللاجئين والنازحين، كما سيساهم في تخفيف الأعباء عن دول الجوار التي استضافت ملايين السوريين خلال السنوات الماضية، وتعزيز أمن واستقرار المنطقة.

إنهاء التصنيف إعلان عن بداية مرحلة جديدة

ومن زاوية أخرى، يركز محللون سياسيون على أن القرار يمثل تحولاً في طريقة تعاطي المجتمع الدولي مع الملف السوري، بعد سنوات طويلة من القطيعة والعقوبات.

وفي هذا الصدد، يرى الكاتب في الشأن السياسي أحمد زكريا أن هذه الخطوة تؤسس لمرحلة جديدة تتجاوز إرث الماضي، وتفتح الباب أمام استعادة سوريا لدورها الإقليمي والدولي، معتبراً أن بدء إجراءات رفع اسم سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب يشكل “نقطة تحول حقيقية تنهي حقبة وتؤرخ لأخرى”.

وقال زكريا في تصريح لصحيفة “الثورة السورية”: “إن هذه الخطوة تعكس تغير نظرة المجتمع الدولي إلى سوريا الجديدة، بعدما أصبحت ممارسات الماضي لا تمثل المعيار الذي تُقاس عليه دمشق اليوم”، مشيراً إلى أن هذا المسار جاء نتيجة تغيرات سياسية ووقائع جديدة فرضت نفسها على الساحة الدولية.

كما ذكر أن تخفيف العقوبات، بالتوازي مع إنهاء التصنيف، يمثل المحرك الأساسي لمرحلة التعافي، لأن عودة المستثمرين، وفتح قنوات التعامل المصرفي الدولي، وانسياب التجارة، تحتاج قبل كل شيء إلى عنصر الثقة.

وأفاد بأن سوريا اليوم تبدأ مرحلة مختلفة تقوم على بناء شراكات اقتصادية وتنموية، مؤكداً أن النهج الدبلوماسي القائم على الحوار والانفتاح أثبت قدرته على معالجة الملفات المعقدة بعيداً عن سياسات العزل والمواجهة، مشيراً إلى أن القرار يعكس تنامي الثقة بالتوجهات السورية الجديدة، خصوصاً مع انخراط الدولة في مكافحة الإرهاب وتعزيز التعاون الأمني الإقليمي، ما أعاد تقديم دمشق كشريك يمكن الاعتماد عليه في مواجهة تحديات المنطقة.

كذلك أكد زكريا أن المرحلة المقبلة تتطلب بناء علاقة متوازنة مع الولايات المتحدة والمجتمع الدولي، تقوم على الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة، والانتقال من إدارة الأزمات إلى بناء شراكات مستدامة.

وذكر أن استقرار سوريا لا يمثل مصلحة داخلية فقط، إذ يعد عاملاً أساسياً لأمن المنطقة، موضحاً أن تعافي الاقتصاد السوري يمكن أن يعيد تنشيط التجارة الإقليمية ومشاريع النقل والطاقة.

ويعتبر إنهاء التصنيف أحد المفاتيح الأساسية لإعادة دمج سوريا في المنظومة المالية والتجارية العالمية، بعد أن شكّل هذا الملف عائقاً أمام العديد من التعاملات الدولية.

وفي هذا الإطار، يوضح الباحث في الشؤون السياسية إبراهيم قيسون أهمية القرار في تحريك الاقتصاد السوري وجذب الاستثمارات، موضحاً أن إلغاء تصنيف سوريا كدولة راعية للإرهاب يمثل أحد أهم الملفات المطروحة حالياً، لا سيما بعد التطورات المتعلقة برفع العقوبات، مؤكداً أن هذا الاستحقاق يحمل أهمية سياسية واقتصادية كبيرة، باعتباره خطوة باتجاه طي صفحة الماضي والانتقال إلى مرحلة جديدة.

وقال قيسون في تصريح لصحيفة “الثورة السورية”: “إن استمرار هذا التصنيف كان يشكل عائقاً أمام العديد من المؤسسات المالية والشركات التجارية الكبرى، ولا سيما الأمريكية منها، التي كانت تتحفظ أو تُمنع من التعامل مع سوريا بسبب القيود المرتبطة بهذا الملف”.

وأوضح أن إنهاء هذا التصنيف يمثل “استحقاقاً قانونياً يؤكد التحولات التي شهدتها البلاد”، مشيراً إلى أن سوريا تسير باتجاه الالتزام بمبادئ القانون الدولي العام والقانون الدولي الإنساني، والتفاعل مع المبادرات الأممية والدولية.

وأردف أن إغلاق هذا الملف من شأنه أن يساهم في إنهاء تداعيات المرحلة السابقة، وخلق بيئة أكثر ملاءمة لتحريك الاقتصاد السوري، الذي تعرض لأضرار كبيرة خلال السنوات الماضية، مؤكداً أن إعادة بناء الاقتصاد تحتاج إلى تدفق الاستثمارات ورؤوس الأموال وعودة النشاط الإنتاجي.

وأشار قيسون إلى أن سوريا بحاجة إلى إعادة بناء واسعة على مختلف المستويات، لافتاً إلى أن ضعف الطبقة الوسطى وتراجع القدرة الاقتصادية للمواطنين يجعلان من جذب الاستثمارات وإعادة تنشيط الاقتصاد ضرورة أساسية لتحسين الظروف المعيشية.

وأكد أن الحوار البناء والدبلوماسية الفاعلة يمثلان الطريق الأكثر واقعية لمعالجة الملفات العالقة، موضحاً أن المرحلة المقبلة تحتاج إلى بناء تفاهمات مع الدول القادرة على المساهمة في إعادة الإعمار وضخ الاستثمارات، كما لفت إلى أن أهمية سوريا لا ترتبط فقط بالجانب السياسي، إنما أيضاً بموقعها الاستراتيجي الذي يجعلها نقطة وصل بين البحر المتوسط والعراق، وبين تركيا ودول الخليج العربي، مشيراً إلى أن استقرار سوريا سينعكس على حركة التجارة والطاقة والنقل في المنطقة بأكملها.

وذكر أن الأراضي السورية يمكن أن تشكل ممراً مهماً لخطوط النقل والطاقة بين الخليج وأوروبا، سواء عبر الطرق البرية أو من خلال الموانئ السورية على البحر المتوسط، الأمر الذي يمنحها دوراً اقتصادياً إقليمياً مهماً خلال المرحلة المقبلة، كذلك أشار إلى وجود ثقة متزايدة لدى عدد من الأطراف الدولية، وفي مقدمتها الولايات المتحدة وتركيا، بقدرة سوريا على تجاوز مرحلة الأزمات، مؤكداً أن اندماج البلاد في الاقتصاد والنظام الدولي يرتبط أيضاً بقدرة الداخل السوري على تحقيق الاستقرار.

سوريا حققت اختراقاً دبلوماسياً سريعاً

في سياق تقييم المسار الدبلوماسي الذي قاد إلى هذا التحول، يؤكد الباحث الدكتور فراس شعبو أن القرار يمثل اختراقاً مهماً يمكن أن تكون له انعكاسات واسعة على المستويين السياسي والاقتصادي، وخطوة مهمة ضمن مسار إزالة العقوبات والانفتاح الدولي، متوقعاً أن يصدر القرار النهائي خلال شهر تشرين الأول المقبل.

وقال شعبو في تصريح لصحيفة “الثورة السورية”: “إن أهمية هذا التطور تكمن في قدرة الدولة السورية على تحقيق اختراق سياسي ودبلوماسي في فترة زمنية قصيرة”، موضحاً أن الدول الخارجة من الصراعات عادة ما تحتاج إلى سنوات طويلة لاستعادة ثقة المجتمع الدولي، مضيفاً أن الحالة السورية شهدت تسارعاً لافتاً في هذا المسار، رغم عدم وجود ترتيبات دولية مسبقة لإعادة هيكلة الدولة، كما أشار إلى أن التحرك الدبلوماسي السوري الجديد نجح في تحقيق نتائج مهمة خلال فترة قياسية.

وأكد شعبو أن رفع التصنيف ستكون له انعكاسات اقتصادية مباشرة، موضحاً أن سوريا مقبلة على مرحلة من الانفتاح أمام الشركات الكبرى، خصوصاً في قطاعات الطاقة والبنية التحتية، مشيراً إلى أن دخول شركات أمريكية للاستثمار في قطاع الطاقة يمثل مؤشراً أولياً على تغير البيئة الاستثمارية، ومتوقعاً أن تشهد المرحلة المقبلة اهتماماً متزايداً من شركات أوروبية ودولية أخرى.

وذكر أن دخول المستثمرين عادة يبدأ بمرحلة دراسة الواقع الاقتصادي واحتياجات السوق والبنية التحتية، قبل الانتقال إلى مرحلة ضخ الاستثمارات، معتبراً أن سوريا انتقلت سياسياً من مرحلة امتدت لعقود إلى مرحلة جديدة تحمل فرصاً اقتصادية مختلفة.

وفي قراءة للتحديات التي ترافق مرحلة ما بعد رفع التصنيف، يشير الباحث السياسي حازم الغبرا، في تصريح لصحيفة “الثورة السورية”، إلى أن سوريا عانت لأكثر من نصف قرن من تداعيات تصنيفها كدولة راعية للإرهاب، مشيراً إلى أن المرحلة السابقة تركت آثاراً سياسية واقتصادية عميقة على البلاد وعلاقاتها الخارجية.

وأردف: “إن سوريا اليوم تدخل مرحلة جديدة في علاقتها مع المجتمع الدولي، وإن الولايات المتحدة باتت تتجه نحو فتح صفحة مختلفة مع الدولة السورية والشعب السوري”، معتبراً أن ذلك يمثل تطوراً إيجابياً للطرفين.

وأفاد بأن الدبلوماسية السورية الجديدة حققت تقدماً واضحاً خلال الفترة الماضية، لافتاً إلى النشاط الدبلوماسي المتزايد واللقاءات الدولية التي شهدتها المرحلة الأخيرة، والتي عكست تغيراً في موقع سوريا على الساحة الدولية.

وأضاف أن المرحلة الحالية تحمل فرصاً كبيرة، لكنها في الوقت نفسه تتضمن تحديات، أبرزها استمرار خطر الإرهاب، ووجود مجموعات قد تسعى إلى عرقلة الاستقرار ومنع نجاح المرحلة الجديدة، وأكد الغبرا أن معالجة هذا التحدي تتطلب إجراءات واضحة وحاسمة، بالتوازي مع العمل على تطوير البيئة القانونية والتشريعية في سوريا لجعلها أكثر جذباً للاستثمارات الأجنبية.

وذكر أن رفع العقوبات لم يكن مرتبطاً فقط بالعوامل الاقتصادية، مشيراً إلى أن العديد من الشركات الدولية ترى أن التحدي الأساسي أمام الاستثمار يتمثل في طبيعة القوانين والأنظمة الاقتصادية القديمة، وضرورة تطويرها بما ينسجم مع متطلبات السوق والاستثمار العالمي.

ولفت إلى أن المرحلة المقبلة تتطلب تسريع إصلاح قوانين الاستثمار والتحكيم وفض النزاعات، باعتبارها عناصر أساسية لطمأنة المستثمرين ورؤوس الأموال الأجنبية، وقال: “إن الطريق أصبح مفتوحاً أمام سوريا للانتقال إلى مرحلة اقتصادية وسياسية جديدة، إلا أن المسؤولية الأساسية باتت تقع على عاتق الداخل السوري في استثمار هذه الفرصة وبناء مؤسسات قادرة على مواكبة التحولات”، مؤكداً أهمية تعزيز الشفافية والتنافسية والالتزام بقواعد السوق، موضحاً أن المستثمر الأجنبي يبحث، قبل الدخول إلى أي سوق، عن بيئة قانونية مستقرة وواضحة.

وختم الغبرا بالتأكيد على أن لسوريا دوراً محورياً يمكن أن تلعبه في المرحلة المقبلة، ليس فقط اقتصادياً، وسياسياً أيضاً، من خلال المساهمة في حل أزمات المنطقة وتعزيز التعاون مع دول الجوار والدول العربية.

المصدر الثورة السورية

اترك رد

عاجل