
تُثار في مسيرة الإصلاح الديني والسياسي والاجتماعي والثقافي مسألة شديدة الأهمية، وهي: هل تستطيع النخبة الواعية أن ترفع مستوى العامة، أم أن العامة قد تجذب النخبة إلى مستواها حين تضعف مناعتها الفكرية والأخلاقية؟ والواقع أن التاريخ يقدم أمثلة كثيرة على النجاح والإخفاق في هذا المجال، غير أن بعض الوقائع تكشف بوضوح خطراً قلّما يُلتفت إليه، وهو خطر نزول النخبة إلى مستوى العامة بمعناه السلبي، بدلاً من الارتقاء بالعامة إلى مستوى أعلى من الوعي والفهم.
ومن أبلغ ما قيل في هذا الباب ما نقله الإمام محمد رشيد رضا عن عبد الرحمن الكواكبي رحمهما الله. فقد ذكر رشيد رضا أنه قال للكواكبي مرة: لو تيسر أن يصبح بعض المصلحين المعتصمين بالكتاب والسنة شيوخاً للطرق، لأمكن هداية العامة بسهولة؛ لأن العامة تميل إلى اتباع الشيوخ وتثق بهم. لكن الكواكبي أجابه بأنهم جربوا ذلك فعلاً، حيث أقنعوا رجلاً صالحاً مستنيراً في حلب بأن يتولى مشيخة إحدى الطرق، على أمل أن يعيد الناس من البدع والخرافات إلى الفهم الصحيح للدين. وبعد تردد وافق الرجل، لكن النتيجة جاءت معاكسة للتوقعات؛ إذ لما رأى إقبال العامة عليه وتعظيمهم له واعتقادهم ببركته وصلاحه، افتتن بذلك شيئاً فشيئاً، وبدأ يجاريهم في معتقداتهم، حتى أصبحوا سبباً في انحرافه بدلاً من أن يكون سبباً في إصلاحهم، وخسره الإصلاح خسارة كبيرة لا يُرجى تعويضها.
تكشف هذه الحادثة حقيقة عميقة تتجاوز زمانها ومكانها، وهي أن التأثير بين القائد والجمهور ليس أحادي الاتجاه كما يتصور كثيرون. فكما يؤثر القائد في الناس، فإن الناس يؤثرون فيه أيضاً. وكما تستطيع النخبة أن تصنع وعياً عاماً جديداً، فإن الجمهور قادر كذلك على تشكيل سلوك النخبة وتوجيهها، خصوصاً إذا كانت هذه النخبة تبحث عن القبول أو الشهرة أو المكانة الاجتماعي، وإذا كانت ضعيفة البناء الأيديولوجي والفكري.
كثير من المشاريع الإصلاحية تنطلق من افتراض بسيط مفاده أن وجود شخص عالم أو مثقف أو مصلح داخل بيئة يغلب عليها الجهل أو التعصب أو الخرافة سيؤدي تلقائياً إلى تغيير تلك البيئة. غير أن الواقع أكثر تعقيداً. فالجماعات البشرية تمتلك قوة ضغط هائلة على الأفراد، حتى لو كانوا من أصحاب العلم والرأي. فالإنسان بطبيعته يحب القبول الاجتماعي ويكره العزلة والرفض. وإذا وجد أن المحافظة على مكانته لدى الجمهور تتطلب منه مجاملة أخطائهم أو السكوت عن انحرافاتهم أو حتى تبني بعض أفكارهم، فقد يبدأ بالتنازل تدريجياً من دون أن يشعر.
وهنا تكمن خطورة ما يمكن تسميته بـ”الاستيعاب العكسي”، أي أن يتحول المصلح من مؤثر إلى متأثر، ومن قائد للتغيير إلى أسير للواقع الذي جاء لتغييره. وفي هذه الحالة لا يعود وجوده مكسباً للمجتمع، بل يصبح جزءاً من المشكلة التي كان يريد معالجتها. وقد يكون الضرر أشد؛ لأن العامة ستظن أن ما هي عليه من ممارسات قد حاز تزكية العالم أو المصلح الذي كانت تثق به.
ولا تقتصر هذه الظاهرة على المجال الديني وحده، بل نجدها في السياسة، والثقافة، والإعلام، والتعليم. فكثير من المثقفين دخلوا الحياة العامة حاملين مشاريع للتنوير والإصلاح، ثم انتهى بهم الأمر إلى تبني الخطابات الشعبوية نفسها التي كانوا ينتقدونها. وبعض السياسيين بدأوا حياتهم برؤى إصلاحية جادة، لكنهم حين واجهوا ضغط الشارع ومتطلبات الشعبية الانتخابية، أخذوا يسايرون الأهواء العامة ويقدمون الوعود السهلة والشعارات الجذابة على حساب المبادئ والقيم التي كانوا يؤمنون بها.
إن الجماهير لا تطلب دائماً من النخبة أن ترتفع بها، بل قد تطلب منها أحياناً أن تنزل إليها. فالارتقاء بالوعي يحتاج إلى جهد وصبر ومواجهة للمألوف، بينما المجاراة أسهل وأسرع وأكثر ربحاً من حيث الشعبية. ولهذا فإن معيار نجاح النخبة ليس مقدار التصفيق الذي تناله، بل قدرتها على الحفاظ على استقلالها الفكري والأخلاقي وهي تخاطب الجمهور.
ولا يعني هذا تبني موقف متعالٍ تجاه العامة أو احتقار الناس، فالعامة هم مادة الإصلاح وهدفه، وفيهم الخير والاستعداد للتعلم والتغيير. لكن المقصود هو إدراك أن الإصلاح الحقيقي يتطلب توازناً دقيقاً بين التواصل مع الناس وعدم الذوبان في أخطائهم. فالمصلح الناجح هو الذي يفهم جمهوره ويحسن مخاطبته، من دون أن يسمح لرغبة الجمهور في الثناء أو التقديس أو الإعجاب أن تغير بوصلته الفكرية.
ومن هنا تبدو حكمة الكواكبي عميقة وبعيدة النظر. فهو لم يكتف بالنظر إلى الفكرة المثالية المتمثلة في وضع المصلح في موقع التأثير، بل التفت إلى الطبيعة البشرية نفسها، وإلى قابلية الإنسان للفتنة بالمنزلة الاجتماعية والإعجاب الجماهيري. فليست المشكلة دائماً في ضعف الفكرة الإصلاحية، وإنما قد تكون في ضعف النفس أمام إغراءات المكانة والتأثير.
وإذا كانت الواقعة التي رواها رشيد رضا عن الكواكبي تعود إلى أكثر من قرن من الزمن، فإن دلالتها تبدو أكثر حضوراً في عصرنا الراهن. فقد أصبحت وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي والمواقع الرسمية ومراكز النفوذ تتيح للنخب حضوراً جماهيرياً لم يكن متاحاً من قبل، كما أصبحت المناصب والشهرة والتأثير السياسي أو الثقافي إغراءات هائلة يصعب على بعض النفوس مقاومتها. ولذلك نشهد أحياناً مثقفين، أو دعاة، أو أكاديميين، أو شخصيات عامة بدأوا مسيرتهم حاملين مواقف مبدئية واضحة، ثم ما لبثوا أن أخذوا يخففون من حدة نقدهم أو يعدلون من أفكارهم أو يتبنون خطاباً يرضي الجمهور أو أصحاب النفوذ، سعياً وراء مزيد من الشعبية أو حفاظاً على موقع ومكانة. ومع مرور الوقت لا يعود التغيير مجرد تكيف تكتيكي، بل يتحول إلى تحول عميق في الرؤية والهوية، حتى يفقد صاحبُه القدرة على التمييز بين ما كان يؤمن به وما أصبح يدافع عنه. وهكذا تتحول المنزلة التي كان يُفترض أن تكون وسيلة لخدمة الحقيقة إلى غاية بحد ذاتها، ويغدو المنصب أو التصفيق الجماهيري قيداً يجر صاحبه إلى المجهول، ويحرمه من تلك الحرية الفكرية والأخلاقية التي كانت مصدر قيمته وتأثيره الحقيقي.
إن الدرس الذي تمنحنا إياه هذه الواقعة هو أن الإصلاح ليس مجرد امتلاك للعلم أو النية الحسنة، بل يحتاج أيضاً إلى قدر كبير من الثبات والاستقلال والشجاعة الأخلاقية. فليس كل من نزل إلى الناس رفعهم، بل قد يرفع الناس بعضهم إلى المنابر ثم يجرّونهم إلى مستوى أخطائهم وانحرافاتهم. ولذلك فإن المهمة الأصعب ليست الوصول إلى الجماهير، وإنما المحافظة على المبادئ أثناء مخاطبتها. وعندما تعجز النخبة عن ذلك، تتحول من قوة تغيير إلى صورة أخرى من صور الواقع الذي كانت تسعى إلى إصلاحه.








