

تستخدم إسرائيل عمليات إزالة الألغام، المنفّذة عبر عقود تجارية على طول “حدودها” مع سورية، خطوةً تمهيديةً ضمن استراتيجية لترسيخ السيطرة الإقليمية. فما يُقدّمه جيش الاحتلال رسمياً بوصفه إجراءً أمنياً لحماية البلدات الحدودية يمثّل، في جوهره ومن حيث النطاق والسياق المؤسّسي والتسلسل الزمني، عنصراً من عناصر بنية تحتية عسكرية آخذة في التوسّع، تهدف إلى ترسيخ السيطرة الإسرائيلية على أراضٍ في جنوبي سورية. والأدلّة المؤيّدة لهذا الاستنتاج قاطعة، وتستند إلى مسارات نشاط متعدّدة (ومتضافرة) انتهجتها إسرائيل منذ سقوط نظام الأسد في ديسمبر/ كانون الأول 2024.
لقد أصبح البعد التجاري لهذه الاستراتيجية موثّقاً على نحو جيّد؛ ففي فبراير/ شباط ومارس/ آذار 2026، أعلنت شركة “Ondas Holdings” أنّ شركتها التابعة “4M Defense” تلقّت طلباً أوّلياً بقيمة 15.8 مليون دولار ضمن عقد لإزالة الألغام بقيمة 30 مليون دولار، يغطّي ما يقرب من 741 فداناً على طول الحدود الإسرائيلية السورية. وفي إبريل/ نيسان 2026، تلاه إعلان طلب أوّلي آخر بقيمة 10 ملايين دولار ضمن برنامج منفصل لإزالة الألغام بقيمة 50 مليون دولار، مرتبط بـ”عائق أمن الحدود الشرقية” الإسرائيلي الذي تبلغ تكلفته 1.7 مليار دولار. وقد تصل قيمة البرنامج المشترك الخاصّ بمكوّن الحدود السورية وحده إلى 60 مليون دولار. ويعتمد التنفيذ على روبوتات أرضية ذاتية القيادة، وطائرات مسيّرة، ومنصّات استشعار تعمل بالذكاء الاصطناعي، تُدار بموجب عقد مع شركة مدرجة في الولايات المتحدة.
تفيد تحليلات بأنّ إسرائيل ضغطت من أجل إنشاء منطقة منزوعة السلاح تمتدّ من دمشق إلى الجولان
ولا تنفصل هذه العقود عن “عائق أمن الحدود الشرقية”، الذي أطلقه رسمياً وزير الأمن يسرائيل كاتس في مارس 2025. فهذا العائق نظام متعدّد الطبقات يضمّ سياجات مادّية ورادارات وكاميرات وأجهزة استشعار استخبارية، ويمتدّ لنحو 500 كيلومتر من مرتفعات الجولان المحتلّة عبر الضفّة الغربية وصولاً إلى المنطقة الواقعة شمال إيلات. وتصف وزارة الدفاع الإسرائيلية الغرض منه بأنّه تعزيز السيطرة الاستراتيجية على الحدود الشرقية. وتُعد إزالة الألغام من الأراضي الملوثة على طول الحدود الإسرائيلية السورية شرطاً مسبقاً لبناء هذا العائق وللتموضع العسكري المتقدّم المصاحب له. وفي المنطقة نفسها، أنشأت إسرائيل بصمةً عسكريةً كبيرةً داخل الأراضي السورية. ففي أعقاب انهيار حكومة الأسد، اقتحمت القوات الإسرائيلية المنطقة العازلة منزوعة السلاح التي أُنشئت بموجب اتفاقية فكّ الاشتباك لعام 1974. وبحلول منتصف عام 2025، أكّدت صور الأقمار الاصطناعية وجود ستّ قواعد عسكرية، على الأقلّ، داخل المنطقة. وبحلول يوليو/ تموز 2025، أشارت التقارير إلى وجود عشر قواعد إسرائيلية في محافظتي القنيطرة ودرعا في جنوبي سورية. واستمرّت التوغّلات في قرى المحافظتين حتى إبريل/ نيسان 2026، إذ دخلت آليات جيش الدفاع الإسرائيلي المنازل واحتجزت مدنيين وتمركزت داخل التجمّعات السكنية. والعائق والقواعد وإزالة الألغام ليست سوى مكوّنات لاستراتيجية إقليمية واحدة، وأيُّ تناول لأيٍّ منها بمعزل عن الآخر يشوّه حقيقة وظيفتها.
وتتبع إسرائيل نهج الترسيخ الإقليمي التدريجي بدلاً من الإقدام على ضمّ رسمي واحد. فقد صرّح نتنياهو أنّ إسرائيل ستواصل الاحتفاظ بالجولان وتطويره واستيطانه. كما أعلنت خططاً لمضاعفة عدد المستوطنين في مرتفعات الجولان المحتلّة. وتتبع هذه اللغة، وما يواكبها من نشاط استيطاني، نمطاً مألوفاً في الضفّة الغربية، إذ سبقت عقودٌ من التوسّع التدريجي خطوات الضمّ الرسمي. كما أنّ المطالب الإسرائيلية للحكومة السورية في مرحلة ما بعد الأسد تقوم على منطق “المنطقة العازلة”، الذي يستلزم بطبيعته سيطرةً مادّيةً على الأراضي السورية. ويفيد تحليل لمعهد كارنيغي للسلام الدولي بأنَّ إسرائيل ضغطت من أجل إنشاء منطقة منزوعة السلاح تمتدّ من دمشق إلى الجولان، وأجبرت القوات السورية على سحب أسلحتها الثقيلة من الجنوب، وأنشأت مواقع متقدّمة لفرض هذا الانسحاب القسري. ويمكن وصف هذا النمط بأنّه “ضمّ زاحف”، لأنّ القوات الإسرائيلية تقدّمت عدّة كيلومترات في جنوبي سورية، ودمّرت منازل وجرفت أراضيَ. وهذا المصطلح توصيف قانوني، وليس مجرّد تسمية خطابية، إذ يصف عملية توسّع فيها قوة الاحتلال سيطرتها الفعلية عبر خطوات تراكمية تبدو، كلّ واحدة منها على حدة، محدودة الأثر، لكنَّها تشكّل في مجموعها استيلاءً دائماً على الأراضي.
وفي هذا السياق، تؤدّي عملية إزالة الألغام ثلاث وظائف على الأقلّ تتجاوز المبرّر الأمني المُعلَن. أوّلاً، تفتح الأراضي أمام بناء العائق والتوسّع الاستيطاني المحتمل. ثانياً، تتيح التحرّك السلس للآليات العسكرية الإسرائيلية والقوات المنتشرة في مواقع متقدّمة داخل المنطقة العازلة، وعلى طولها. ثالثاً، توفّر إطاراً يمكن الدفاع عنه سياسياً، إذ تُصنّف إزالة الألغام رسمياً نشاطاً إنسانياً بموجب إطار اتفاقية أوتاوا، حتى عندما تنفّذها قوة احتلال لأغراض تتّصل بإظهار القوة. وإسرائيل ليست طرفاً في اتفاقية أوتاوا، وهذا ما يزيل إحدى طبقات المساءلة القانونية. كما أنّ التغليف التجاري للعملية عبر مقاول دفاعي مدرج في الولايات المتحدة يفاقم هذا الأثر؛ فمن خلال تمرير نشاط عسكري عبر آلية شراء تجارية، تكتسب العملية مظهراً إجرائياً باعتبارها عقداً تكنولوجياً، لا عملية احتلال إقليمية. وهكذا تحلّ الإفصاحات التنظيمية والبيانات الصحافية وتحرّكات أسعار الأسهم محلّ مفردات الاحتلال بمفردات السوق.
ويتضمّن الإطار القانوني ذو الصلة اتفاقية فكّ الاشتباك لعام 1974، وقانون الاحتلال الحربي كما هو مقنّن في لوائح لاهاي واتفاقية جنيف الرابعة، وحظر الاستيلاء على الأراضي بالقوة بموجب المادة 2 (4) من ميثاق الأمم المتحدة، وقرار مجلس الأمن رقم 497 لعام 1981، الذي أعلن أنّ ضمّ إسرائيل المزعوم للجولان باطل ومُلغى.
وقد زعم نتنياهو أنّ اتفاقية 1974 لم تعد صالحةً بعد تغيير الحكومة في دمشق، وهو موقف يفتقر إلى الأساس القانوني. فبموجب قانون خلافة الدول، تُعدّ المعاهدات ذات الطابع الإقليمي أو الحدودي، ومنها اتفاقات الهدنة وفكّ الاشتباك، المرتبطة بأراضٍ محدّدة، مُلزِمةً بوجه عام للدول الخلَف، بغض النظر عن التغييرات الحكومية. وتعكس اتفاقية فيينا لخلافة الدول في المعاهدات لعام 1978 هذا المبدأ، وهو مبدأ راسخ في القانون الدولي العرفي. وبناءً عليه، فإنّ احتلال إسرائيل للمنطقة العازلة ينتهك اتفاقية لا تزال سارية المفعول. كما أنّ بناء بنية تحتية دائمة داخل تلك المنطقة، من عوائق وقواعد عسكرية ومصفوفات استشعار، يثير سؤالاً قانونياً إضافياً: عند أيّ نقطة يتجاوز الوجود العسكري عتبة الاحتلال الحربي المؤقّت ليصبح سلوكاً يرقى إلى الضمّ؟ فبموجب قانون الاحتلال، تلتزم قوّة الاحتلال بالحفاظ على الوضع القائم، ويُحظر عليها إجراء تغييرات دائمة في الأراضي المحتلّة تخدم مصالحها السيادية الخاصّة بدلاً من رفاه السكّان الواقعين تحت الاحتلال. وتُعد مدّة الوجود، وطبيعة البنية التحتية، مؤقّتةً كانت أم دائمةً، والنّية المُعلَنة لقوّة الاحتلال… كلّها معايير ذات صلة بهذا التقييم. وفي ضوء كلّ معيار من هذه المعايير، يشير سلوك إسرائيل في المنطقة العازلة، وفي الجولان، إلى اتجاه نحو الضمّ، لا إلى مجرّد انتشار أمني مؤقّت.
غياب ردّة فعل دولية فعّالة في حدّ ذاته جزء من البنية التي تمكّن الاستراتيجية الإسرائيلية
وصحيح أنّ الألغام على طول حدود الجولان تشكّل أخطاراً حقيقية على المجتمعات المجاورة، وأنَّ إزالة الألغام، من حيث المبدأ، نشاط مشروع ومفيد. إلا أنّ حجم البرنامج، البالغ 60 مليون دولار لمكوّن الحدود السورية وحده ضمن مشروع عائق تصل كلفته إلى 1.7 مليار دولار، يتجاوز بكثير ما يتطلّبه إجراء وقائي محلّي. كما أنّ النطاق الجغرافي، الذي يشمل 741 فدّاناً على طول خطّ تماس تبني فيه إسرائيل، في الوقت نفسه، قواعد عسكرية، وتوسّع المستوطنات، يعزّز هذا الاستنتاج.
أمّا السياق المؤسّسي، فهو سياق أعلنت فيه قوّة الاحتلال صراحة نيّتها الاحتفاظ بالأراضي المعنية وتطويرها واستيطانها. لذلك، لا تكفي القراءة الدفاعية البحتة لبرنامج إزالة الألغام لتفسير هذه الحقائق.
وغياب ردّة فعل دولية فعّالة في حدّ ذاته جزء من البنية التي تمكّن هذه الاستراتيجية. فمجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، المقيّد بديناميكيات “الفيتو”، لم يتحرّك إزاء انتهاكات اتفاقية عام 1974 أو القرار 497. كما جرى تهميش قوة UNDOF، المكلّفة بمراقبة منطقة فكّ الاشتباك، من الناحية العملياتية. ولم تعمل الدول المجاورة لإسرائيل على بلورة تحدٍّ دبلوماسي منسّق. وقد جرى ضبط كلّ خطوة منفردة في البرنامج الإقليمي الإسرائيلي، من عقد إزالة ألغام هنا، إلى قاعدة متقدّمة هناك، إلى إعلان توسيع مستوطنة، فتبقى دون العتبة التي قد تستدعي تحرّكاً جماعياً. إنّ التراكم هو جوهر هذه الاستراتيجية، وهذا يستدعي تحرّكاً عربياً ودولياً فاعلاً.
المسار واضح: وجود عسكري متقدّم، وبنية تحتية دائمة، وتوسّع استيطاني، وتوغّلات واعتقالات متكرّرة في القنيطرة ودرعا، تدعمها الآن عمليات إزالة ألغام روبوتية مُتعاقَد عليها تجارياً. وهذا ليس مجرّد تعزيز دفاعي للمواقع القائمة، بل ترسيخ إقليمي متدرّج في جنوبي سورية، صيغ عبر خطوات تشكّل مجتمعةً برنامجاً متماسكاً. إنّ التغليف التجاري والتكنولوجي لبرنامج إزالة الألغام لا يغيّر من وظيفته الاستراتيجية: الاحتلال/ الضمّ، بل يخدمها.





