

الحرب الأميركية – الإسرائيلية على إيران مستمرّة، والاعتداءات الإيرانية على الجوار، خصوصاً على دول الخليج وإقليم كردستان العراق، متواصلة. ولا تبدو في الأفق معطيات أو مؤشّرات ملموسة (واضحة) يمكن أن يتكهّن المرء، استناداً إليها، بموعد انتهاء الحرب، فالأهداف المعلنة للحرب كبيرة، بل كبيرة جدّاً؛ فالصورة ضبابية، رغم مرور أكثر من أسبوعَين على نشوب هذه الحرب الشرسة التي تخوضها الولايات المتحدة وإسرائيل ضدّ إيران، وحرب إسرائيل على لبنان، بعد أن بدأ حزب الله عملية إسناد للنظام الإيراني. وما زالت الروايات الخاصّة بالانتصارات والنتائج من المتحاربين متعارضةً إلى حدّ التناقض. فالرئيس الأميركي دونالد ترامب ووزير حربه ورئيس أركانه يعلنون في تصريحاتهم المتلاحقة أن ما حقّقوه في إيران يفوق التوقّعات. وربّما كان النظام الإيراني، بناء على تصريحاتهم، في طريقه نحو الانهيار والاستسلام. وكذلك يفعل نتنياهو ووزير دفاعه ورئيس أركانه. وذلك فيما أعلن المرشد الإيراني الجديد (غير المنظور)، مجتبى خامنئي، عبر رسالة تُليت باسمه، أن نظامه مصمّم على الاستمرار في المواجهة والصمود حتى النصر. وقد استقبلت رسالته بتساؤلات وتأويلات كثيرة تراوحت بين التساؤل حول دلالات عدم ظهوره، ووصلت إلى حدّ التشكيك في سلامته، بل حتى شكّ بعضهم في وجوده الفيزيائي.
وبعيداً من الحرب الإعلامية الموازية للحرب الميدانية بين الأطراف المتصارعة، بدأت تلوح أزمة اقتصادية جديدة تُنذر الأوروبيين بأن تبعاتها ستتجاوز ما واجهوه خلال جائحة كورونا، وأكثر وقعاً عليهم من نتائج الحرب الروسية المستمرّة على أوكرانيا. وهذه الأزمة الجديدة تذكّرهم بالأزمة الكُبرى في ميدان الطاقة التي واجهوها في 1973، بعد القرار العربي الخاص بحظر تصدير النفط إلى الدول الغربية والولايات المتحدة تحديداً، من أجل الضغط عليها لوقف دعمها إسرائيل ومساندتها عسكرياً وسياسياً.
الملاحظ صمت روسيا والصين، أو عدم ارتقاء ردّات فعلهما إلى مستوى التحدّيات التي ستترتّب على ما يجري في منطقة الخليج حالياً
فالنظام الإيراني الذي أغلق في واقع الحال مضيق هرمز لمنع وصول شحنات النفط والغاز إلى الأسواق العالمية، بهدف الضغط على تلك الدول وتحريك الرأي العام فيها لدفع الحكومات نحو التدخّل لدى ترامب لإيقاف الحرب، يريد كذلك ممارسة الضغط على دول الخليج التي تُعدّ الطاقة بالنسبة إليها مصدراً أساسياً من مصادر الدخل. وفي هذا السياق، تُطرح أسئلة مشروعة بشأن أسباب عدم تمكّن دول مجلس التعاون الخليجية من بناء الخطوط البديلة الكافية لتصدير النفط والغاز، سواء عبر الأراضي السعودية وصولاً إلى البحر الأحمر، أو عبر الأردن وصولاً إلى الساحل السوري.
إلى جانب الضغط الدولي، يواجه ترامب موقفاً صعباً في الداخل الأميركي، من جهة تراجع شعبيته، والخشية من احتمال النتائج السلبية التي تنتظر الجمهوريين في الانتخابات النصفية القريبة. ومن دون تحقيق نتائج حاسمة واضحة ومقنعة للناخب الأميركي، لن يتمكن ترامب من إقناع الناس بصوابية قراره الحرب ضدّ إيران. أمّا أن يستمرّ في الحرب وسط تذمّر الأميركيين والحلفاء، ومن دون آفاق مطمئنة أو نتائج مشجّعة، فهذا فحواه أن ورطته ستكون أكبر، وستكون خسائر الانتخابات النصفية أفدح.
وفي الضفة الأخرى، يتساءل المتخصّصون والمحلّلون والمتابعون: هل سيتمكّن النظام الإيراني من الصمود والمقاومة والممانعة بناء على الشعارات المعلَنة التي يراهن أصحابها على عامل الوقت وارتفاع منسوب الضغوط على ترامب لإيقاف الحرب؟ والسؤال الآخر المتكامل مع هذا السؤال: هل يمتلك هذا النظام، في ظلّ الخسائر المتلاحقة والفوضى التي تحيط بعملية اتخاذ القرار في الداخل الإيراني، مقومات الصمود؟ وهل يستطيع أن يتحمّل الهجمات الجوية والصاروخية الأميركية والإسرائيلية المتواصلة على مدار الساعة؟ وهل في مقدوره أن يواجه، في الوقت نفسه، تنامي المعارضة الإقليمية والدولية القوية، خصوصاً الأوروبية، لسياساته وتوجّهاته؟ وهل ستبقى الدول الأوروبية على مواقفها الحالية غير الحاسمة بخصوص الدخول أو عدم الدخول في الحرب؟ أم إنها ستتحرّك بناء على مصالحها والتزاماتها تجاه حلفائها وشركائها الإقليميين، وتصبح جزءاً فاعلاً من الحرب إلى جانب الولايات المتحدة وإسرائيل، رغم برودة العلاقات والتوجّسات من حقيقة نيّات ترامب وتوجهاته؟
ولكن الملاحظ في مشهد هذه الأزمة العالمية، غير المسبوقة منذ الحرب العالمية الثانية، صمت روسيا والصين، أو عدم ارتقاء ردّات فعلهما إلى مستوى التحدّيات التي ستترتّب على ما يجري في منطقة الخليج حالياً، رغم العلاقات الاقتصادية الوثيقة بينهما وبين إيران. فإيران بالنسبة إلى روسيا شريك تجاري رئيس في ميدان الأسلحة والتقنيات العسكرية، بما فيها النووية والطاقة وغيرهما، في حين أن الصين تعتمد على إيران في تأمين قسط كبير من النفط الذي تحتاج إليه مصانعها، بالإضافة إلى تضرّرها من إغلاق مضيق هرمز الذي يضمن لها الكمّيات الأخرى الضخمة التي تأتيها من دول الخليج، وهي كمّيات باتت ضروريةً جدّاً لها بعد الهيمنة الأميركية على النفط الفنزويلي. هل هناك صفقة بين روسيا وترامب بخصوص أوكرانيا؟ وفي السياق نفسه: هل هناك وعود برفع العقوبات بصورة أولية عن النفط الروسي لتخفيف الضغط عن الدول الأوروبية؟
في أجواء اللامعقول الذي نعيشه اليوم نتيجة انهيار النظام العالمي السابق وعدم تبلور ملامح نظام جديد يتناسب مع المتغيّرات الكُبرى التي حصلت وتحصل في مختلف الميادين، سواء المعرفية البحثية أو التكنولوجية أو الاقتصادية والبيئية، ومع تشكّل جماعات من أصحاب الثروات الأسطورية الذين باتوا قادرين على التدخّل في تحديد مسارات سياسات الدول وتركيز استراتيجياتها على مناطق جغرافية من دون أيّ مراعاة لقواعد السيادة الدولية أو الأخلاقية، على صعيد التعامل مع الجماعات والأفراد (وهذا ما تؤكّده فضائح ملفّات إبستين). في هذه الأجواء، باتت كل الاحتمالات مهما بدت غريبة وسريالية ضمن نطاق دائرة الممكن المحتمل، وباتت التحليلات الصائبة ضرباً من ضروب البخت أو الحظ.
ستكون للدور الإسرائيلي المستقبلي انعكاساته على الوضع السوري الداخلي، خاصّةً في الجنوب
ومن الطبيعي، بل من الحكمة في هذه الأجواء الملبّدة بكلّ ما هو فاسد وتدميري، أن يحاول المرء استشراف ما ينتظر بلده في خضمّ صراعات كُبرى دافعها التوسّع والتحكّم، والعمل من أجل الاستئثار بإمكانية تحديد المسارات والمعادلات على المستويَين الدولي والإقليمي. فسورية اليوم في عين العاصفة، رغم حرص إدارتها الجديدة على النأي بنفسها عن الصراع الطاحن الجاري بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران وأذرعها في المنطقة من جهة أخرى. وهي ستتأثر حتماً بنتائج هذا الصراع بغض النظر عن ماهيتها. فما يجري سيعيد تشكيل لوحة الاصطفافات والتحالفات في كلّ من العراق ولبنان، بل سيؤدّي إلى تغييرات عميقة في البنيتين السياسيتين في البلدَين، وسينعكس هذا سلباً أو إيجاباً على الواقع السوري بحكم الجوار الجغرافي والتداخل المجتمعي والعلاقات الوثيقة بين هذه البلدان في مختلف المراحل التاريخية. كما ستكون للدور الإسرائيلي المستقبلي في الإقليم انعكاساته على الوضع السوري الداخلي، خصوصاً في الجنوب، وسيكون له تأثيره في التنافس الإقليمي القائم بين إسرائيل وتركيا. وسورية، شاءت أم أبت، ستكون الساحة الرئيسة لعملية التنافس بين الطرفَين، بل ربّما تكون الساحة الأكثر تعقيداً وحساسية بينهما.
من ناحية أخرى، ستتأثر سورية في جميع الأحوال بنتائج الحرب المعنية على المستوى الخليجي، وبطبيعة (ومستوى) العلاقات المستقبلية بين دول مجلس التعاون الخليجي وإيران. وحتى تكتمل الاستعدادات المطلوبة سورياً للتعامل مع مختلف التحدّيات الممكنة، بغض النظر عن درجة احتماليتها، هناك حاجة إلى تعزيز التماسك المجتمعي الداخلي على المستوى السوري العام، وهذا يستوجب حواراً وطنياً واسعاً يضمّ ممثّلي سائر المكوّنات المجتمعية والتوجّهات السياسية والمناطق السورية؛ حوار هدفه التوافق على رؤية وطنية جامعة تكون أساساً لموقف رسمي تجاه ما يجري، وما يمكن أن يجري، نتيجة التفاعل بين المواقف الدولية وأصدائها في منطقتنا.
وعلى الصعيد الإقليمي، هناك حاجة ماسة إلى بلورة موقف عربي فاعل يسهم في التعاون مع القوى الإقليمية والدولية الراغبة في استعادة توازن المعادلات المختلة على مستوى إقليمنا المضطرب، هذا الإقليم، الذي عانت وتعاني مجتمعاته ودوله من صراعات وحروب داخلية بينية نتيجة التدخّلات الخارجية وتراكم وتفاعل سلبيات عقود من الفساد والاستبداد.
سورية اليوم في مركز دائرة مخاطر حقيقية، شأن معظم دول المنطقة. ولتحاشي هذه المخاطر، أو على الأقلّ التخفيف منها ضمن حدود الإمكان، نحتاج إلى رؤية وطنية منفتحة تستوعب الآخر المختلف، وتتقن عملية إدارة التنوّع بكلّ أشكاله؛ رؤية تتكامل مع سياسة خارجية أساسها الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة وعدم التدخّل في الشؤون الداخلية.





