الانتحار الاجتماعي

عماد المصري23 يوليو 2019آخر تحديث :
عماد المصري

الانتحار الإجتماعي في مجتمع غارق في البؤس، ومتشبث بالعوارض على أنها قواعد، يبدأ بارتكاب خطيئة البوح!

علينا أن نحيا الموت بكل صخبه، وأن نحرم من لحظة حياة حقيقية حينما نبوح، فإذا فعلنا فإن نعواتنا مجهزة، مفككة ومركبة، معنونة بالعريض بأن فلاناً قد انفلتت منه كلمات الخلاص، وبات دفنه واجب.

نعيش حياة البائسين بكل ما أوتينا من حياة، وأعظم ما يمكننا ارتكابه هو البوح الدفين، ومع هذا نخشاه حتى يطول عمرنا في أعين المراقبين.
نتجمل كثيراً ليس في الصبر وحده، وإنما في إعلان بصيغة جواب يدعي أننا على ما يرام، نتجمل في المبالغة في امتهان الحياة، وجوفنا مدفون مع الكلمات المعبرة، نتجمل في ابتلاع الهموم حتى لا يقال أننا يأسنا أو فقدنا الأمل،
نتجمل في العزيمة حتى لا نغلق الطريق أمام العابرين، ولحظة انتحارنا الاجتماعي تبدأ مع ذلك البوح الخفي عن أعين قضاة النوايا.

هرمناااا من أجل أن نسمع كلمة هرمنا من أجل هذه اللحظة التاريخية.. هرمنا ولم نسمعها بعد.

ليس الخبر الذي ننتظر سماعه هو سقوط النظام وحده، بل الإعلان عن سقوط كل الأصنام التي ينصبها المجتمع البائس ليجعلها قبلته أينما ولى وجهه، فيعبدها تزلفاً وتضرعاً، خيفةً وخشية على لقمة العيش المرتبطة زعماً برضاه وسخطه.
والإعلان عن ذلك يبدأ مجدداً عندما نرى الأقلام الحرة عادت إلى مسارها الصحيح بكل جرأة لا تخشى لومة لائم أمام الجبروت والطاغوت المؤله لأسباب مادية بحتة.

لذلك وبعد مرور سنين على انطلاق الثورات التي كسرت جدار الصمت، وفتحت الأبواب لمكتومي الأفواه لكي يعبروا عما في خواطرهم، وينتقدوا عادات المجتمع المغلوطة، ويهدموا تلك الأصنام، تعود إلينا مجدداً حالة التصنيم والتأليه اللاإرادي مثل بقية العادات البالية، وهذا لم يتم لولا السياسة الممنهجة للتجويع والتطويع والتركيع!

حيث صار مجدداً الهم الأعلى والأولى للمجتمع هو الحصول على لقمة عيشه ولو على حساب القيم!

وبالمقارنة فإننا نرى في البلدان المتقدمة البوح والتحدث عما يزعجنا بداية للعلاج ومفتاحاً للحل، يمكن المعالج من معرفة أسباب المشكلة ليجد لها مخرجاً وطريقاً يسلكه المريض في سبيل تحسين حالته، سواء أكان مريضاً نفسياً أو لو كان مؤسسة عاملة أصابها الخلل والتصدع كما يحدث اليوم في معظم المؤسسات العاملة.

بينما في بلادنا التي يعج فيها التقهقر المعنوي لذات الفرد، وانحسار المعرفة لوسائل العلاج والاصلاح وبسبب عدم تقدير قيمة التداوي بالبوح، فإن البوح عندنا مدعاة للتذمر وانحطاط القيمة، بل يصل إلى مرحلة السخرية والاستهزاء إذا كان الأمر على الصعيد الشخصي، أما إذا كان على الصعيد العام ومشاكله، فإنه يواجه بالقمع والإسكات بالقوة، وبالتجييش والتحريض ضد من تسول له نفسه بالبوح أو التعبير عن الوجع وأسبابه و ضروريات تحسين الأوضاع! ويتطور الحال لتشويه سمعة المتشكي وإسقاطه إجتماعياً حتى لا تقوم له بعد ذلك قائمة. وقد تفاقم الأمر في السنين الأخيرة كنتيجة لسياسة التجويع والتطويع كما هو ملحوظ.

ولأن المجتمع غارق في بؤسه ومنشغل في تحصيل قوت يومه، ولأن أدوات اكتسابه للقمة عيشه بيد المتسلطين أصحاب النفوذ الذين يسعون جاهدين لإبقائه جاهلاً جائعاً وذليلاً لحاجته، فإنهم تلقائياً ولا شعورياً يستجيبون لحملات التشويه والتحريض تملقاً وتودداً لصاحب الجاه والمال والنفوذ! فمصالحهم المادية فطرياً (بسبب الجهل) تتعلق بسلامة المتسلط وبقائه قوياً صامداً تجاه من يحاول المساس بهيبته، (هكذا يهيأ لهم).

وتعاد الكرة وكأنها سنة الحياة، فنرى من كان كاتباً أو شاعراً حراً كالصقر المحلق، يوارب ويتذبذب ويراوغ يميناً وشمالاً ولا يلامس الواقع المؤلم التعيس في شيء إلا النذر. بل يحيد عن درب الصواب كله وكأنه ولد عاق لهذا المجتمع، فينشغل بالخواطر والأطروحات الهزلية، ويغشي الأبصار بإيحاءات خلبية ليخدع بها القراء، حتى يظهر بأنه ما زال ذلك الفذ المغوار!
ويحيط بكل شيء علماً إلا ما يتعلق بأس المشكلة. فتزداد مع تراجعه قوة الهجوم المضاد التشبيحي المتمثل بالمرياع الذي يتبع الحمار لكل فئة من الأصنام المنصوبة ذات المال والسلطة.

ومع مرور الوقت تنحسر بقية الأقلام الحرة المتبقية في زاوية التردد وخشية المواجهة في ظل جو قاتم تحتكم فيه الناس إلى علاقم العصر ومشاهير الفورة، فلا هي قادرة وحدها على صد ذلك الهجوم ولا هي راضية بالواقع المزري الذي يتفاقم ظلامه. فإن تماشت مع الموضة الدارجة بتجاهل الفساد خانت نفسها، وإن جاهرت بصوتها عالياً ضده أكلتها آلاف الأسماك الصغيرة المنحازة لصاحب المال والسلطة. لتبقى بعدها الساحة فارغة من الفكر والتنوير، إلا من أخذ على عاتقه تحمل ذلك العبئ وما يليه من خسائر معنوية ومادية، لأنه سيصبح حينها منبوذاً مقصياً ومنفياً من رحمة وملكوت المستحوذين على أماكن العمل والوظائف.

وبما أن هذه النوعية الجريئة هي قلة عادة فإنهم ولسرّ لا يعلمه أحد لا يعلمون إلا فرادا. ولكونهم لا يملكون مؤسسة أو منظمة يعملون بها، فإن جل جهودهم تذهب هباءً منثورا، بسبب عدم التنظيم والتكاتف، وبسبب قلة الكثافة في محيط تغلب فيه الكثرة الشجاعة.

ودائماً هناك سؤال يطرح نفسه في كل قصة: هل سيتمكن أصحاب الأقلام الحرة والجريئة من تنظيم وتكثيف أعمالهم المتفرقة، حتى يكون لهم وقع ملموس على المجتمع!؟

أم أنهم سيبقون يمارسون (البوح المنفرد) ليواجهوا بعده أسراب القمع وتكميم الأفواه من سرايا وحواشي أصحاب الجاه والمال والسلطة، والذي يعد بمثابة الإنتحار الاجتماعي إذا بقي الأمر على ماهو!؟

متى نتحد؟

التعليقات

عذراً التعليقات مغلقة

    عاجل