في ريف حمص الشمالي.. تأجيل الإنجاب قرار عقلاني مرتبط بواقع الحال

فريق التحرير19 يونيو 2016آخر تحديث : الأحد 19 يونيو 2016 - 2:18 مساءً
P2250220 - حرية برس Horrya press

* بسام الرحال
إن استمرار الحرب ودخولها عامها السادس وانعدام شروط الأمن والأمان وانخفاض مستوى المعيشة الى حد غير معقول اثر بشكل سلبي على نظام الأسرة في مجتمعنا، فقد بدأ بالانحسار وذلك من خلال تفشي ظاهرة عزوف الزوجين عن الإنجاب لدى معظم الأسر وبالأخص ممن تزج حديثا، حيث تبن انه 80% من الأسر خلال الأعوام الثلاثة الأخيرة لم يكن لديهم أي مولود جديد من خلال استعمال الأدوية المانعة للحمل والتي أصبح استعمالها شائع وبشكل كبير جدا، ففي سوريا لا تكتفي الحرب بقتلها الأحياء الذين يعيشون على وجه الأرض وتشويه من تبقى منهم حيا، بل يتعدى أثرها على المواليد الذين لم يخلقوا في بطون أمهاتهم بعد، فتقتلهم قبل أن يبصروا النور ثم تلقيهم جثثا هامدة تهبط من بطون أمهاتهم، أو تجعلهم مشوهين بعاهات شديدة، أو تقطع أجسادهم الناعمة بالقذائف والصواريخ أمام أبائهم و أمهاتهم.

في ريف حمص الشمالي سقطت معادلة الزواج للإنجاب أو الحفاظ على النسل واستمراره، فهذا ما تشير إليه الوقائع اليوم، فقد أصبح قرار تأجيل الإنجاب أو إلغائه من الأمور العادية لكثر من المتزوجين وحتى من تزوج حديثاٌ منهم، بغية الهروب من مسؤولية العناية بالأطفال وتربيتهم، وخشيتهم من تحمل مسؤولية الطفل بما تشمله من نواح تربوية ومالية، وهذا ما يدفعهم إلى اتخاذ قرار تأجيل الإنجاب الذي يمكن وصفه بالعقلاني والمرتبط بواقع الحال الذي يعيشونه ويخشون أن يعيشه أطفالهم أيضاٌ.

“عبد الكريم المصطفى” شاب ثلاثيني من مدينة الحولة متزوج ولديه ثلاثة أطفال يقول : “لست مستعداٌ لإنجاب المزيد من الأطفال في هذه الظروف الصعبة التي نمر بها، فعندما أفكر أننا سنهجر أو ننزح إلى مكان ما، أول ما أفكر به هو كيف سأحمل أطفالي الثلاثة وكيف سأطعمهم، بالاضافة إلى أن الأطفال الآن عبء ثقيل من حيث العناية بهم ابتداء من اللقاحات والأدوية الغير متوفرة، وانتهاء بمصاريف الطعام وحليب الأطفال والحفاضات التي أصبحت غالية الثمن”.

ويضيف “عبد الكريم” قائلاٌ: “المال والبنون زينة الحياة الدنيا ولا أحد يرفض منح الله ويأبى أن يكون له طفل، ولكن ما نعيشه من وضع الحصار والقصف المتكرر وانقطاع المواد بالاضافة لسوء الحالة الصحية ما يجعلنا نعزف عن إنجاب الأطفال في الوقت الحالي، فالحقيقة أن كلفة المعيشة في هذه الأيام أصبحت كبيرة جدا، فعلبة الحليب على سبيل المثال 2500 ل.س، وكيس الحفاضات 1500 ل.س، وأدوية الأطفال نادرة الوجود، ناهيك عن عدم وجود أطباء أطفال مختصين تجعلك تقف عاجزاٌ تماما عن فعل أي شي تجاه ابنك المريض سوى المخاطرة به وأخذه إلى المشافي التي تقع تحت سيطرة النظام”.

في شوارع وأزقة ريف حمص الشمالي قد تصادف زوجين مع أطفالهم الخمسة والبؤس والفقر الشديد باد على وجوههم جميعاٌ، ورغم ذلك تكشف أن المرأة حامل في شهرها الأخير، لتبين هذه الحالة شكلا من أشكال الإنجاب غير المضبوط أو المدروس، الذي اعتاده السوريون حتى ما قبل الثورة، لكنه اليوم يتخذ صبغة مختلفة في ظل الصعوبات الاقتصادية و الاجتماعية وقلة فرص العمل وانعدام الاستقرار المطلوب لتنشئة الأطفال بالحد الأدنى على الأقل.

“يكفي التفكير في قيمة ما أجنيه وهو بالكاد يبلغ الحد الأدنى للأجور لكي أفكر في تأجيل الإنجاب إلى وقت لم أحدده وزوجتي بعد”، يجاوب الشاب “خالد الخالد” من سكان بلدات ريف حمص الشمالي ومتزوج حديثاٌ، عند سؤالنا له عن رغبته في أنجاب الأطفال أو لا، ويتابع قائلاٌ: ” قررت أنا و زوجتي أننا لا نريد الإنجاب في الوقت الحالي على الأقل، فالإضافة الى أنني لا اقدر على مصاريف الطفل الآن، إلا أنني لا أتمنى أن يرى ابني النور على هذا الواقع المأساوي والمرير، وأريد لابني أن يعيش في حياة هادئة ومطمئنة، خالية من القتل والدمار والقصف وأن يذهب إلى المدرسة دون أن أخاف عليه بأن يرجع لي جثة هامدة، فالحياة التي أعيشها اليوم لن أظلم ولدي وأدعه يعيشها مثلي”.

يقول “خالد” : ” أن مشاهد ضحايا جرائم قوات الأسد وطائراته وخصوصا الأطفال منهم يجعلني أعيد التفكير ألف مرة بالإنجاب وأن أصبح أباٌ، فمع كل جنازة لأحد أطفال المنطقة ممن قضوا بفعل قصف قوات النظام ومشاهدتي ألم وحرقة أبائهم وأمهاتهم والذي قد يكون ابني أحد الضحايا مستقبلا، هذا كله شكل لدي هاجس فقدان الولد، مما يدفعني إلى التريث في مسألة الإنجاب ريثما تهدئ الأحوال وتصبح الحياة مستقرة نوعا ما”.

وعن ظاهرة عزوف المتزوجين يشرح لنا المرشد النفسي والاجتماعي “جهاد المحمد” قائلاٌ: “تشكل الأسرة الوحدة الأولى في البناء الاجتماعي وتعتبر منطلق الحياة الاجتماعية وغايتها، فالأسرة تتكون من الزوج والزوجة والأطفال، ولكن مع الأسف تبين أن الأسباب التي أدت الى عزوف أغلبية هذه الأسر هي نفسها عند الجميع على الأغلب، إذ كان جواب الآباء عند سؤالهم عن السبب الذي أدى إلى حجومهم عن الإنجاب هو الشعور الدائم بالخوف من مصير مجهول ومستقبل غامض ينتظر أولئك الأطفال، إذ تبين أن هنالك خوف لدى الزوجين وبشكل خاص لدى النسوة من رؤية أطفالهم وهم يرتجفون من الخوف أثناء رؤية عمليات قصف النظام على منازل المدنيين كذلك كان لديهم خوف شديد يكاد لا يفارق أذهانهم من رؤية أطفالهم ينزفون الدماء أمام أعيونهم كما حصل للكثير من الأطفال، وهم قد رأوا هذه المأساة بناظرهم، وهنالك الكثير من الأسر لديهم  معوقات قد تحدثوا عنها وهي برأيهم كافية عن التفكير بالإنجاب، وإن الحديث مع اغلب الأسر عن هذا الموضوع أصبح من الأحاديث الغير مرغوبة لديهم”.

ويرى “جهاد المحمد”: “أن سوء العامل الاقتصادي والبطالة والغلاء كان الدافع الأكبر لدى الآباء من عدم الإنجاب، فالشروط الموضوعية لتنشئة اجتماعية سليمة هي غير موجودة بالأصل، أو شبه معدومة في ظروف الحرب والحصار والنقص والعوز المادي الذي سيؤدي حسب تعبير الأزواج طبعا الى شعور الأطفال بالحرمان والدونية وهذا ما لا يطيقونه أو حتى إمكانية تخيله”.

Print Friendly, PDF & Email
رابط مختصر

اترك تعليقاً

يجب ان تسجل الدخول لكي تتمكن من إضافة التعليقات

فريق التحرير