خيارات إيران في الجنوب السوري

فريق التحرير12 يونيو 2018آخر تحديث :
مقاتلون من المليشيات الشيعية العراقية قرب بلدة السيدة زينب – رويترز

ترجمة: رانيا محمود – حرية برس

تناول المحلل السياسي العسكري “بلال صعب” في مقالته في مجلة “American interest” المآل الذي وصلت إليه القضية السورية، بما في ذلك تحولها إلى ساحة حرب للقوى الإقليمية، مما قد يُفضي إلى حرب بين الدول. مُشيراً إلى أن الجنوب السوري أكثر المناطق المُرشحة للاشتعال، حيث تواجه إسرائيل وإيران أزمة عسكرية قابلة للتصعيد بكل سهولة. مستعرضاً الخيارات المتاحة أمام إيران بشأن الجنوب السوري، وتداعيات كل منها.

استهلّ صعب، وهو مدير برنامج الدفاع والأمن في معهد الشرق الأوسط للأبحاث، مقالته بتلخيص الأزمة “الإسرائيلية الإيرانية” موضحاً أن كيان الاحتلال الإسرائيلي يريد من إيران الانسحاب من الزاوية الشمالية الشرقية لحدوده، ثم من كامل سوريا، وفي المقابل، ليس هناك أي مصلحة لإيران في مغادرة سوريا، بعد أن بذلك المال والأرواح في سبيل إنقاذ نظام الأسد، والسعي لمجموعة من المصالح الاقتصادية والاستراتيجية في سوريا والمنطقة. وحتى بعد أن استهداف إسرائيل لمواقع إيرانية ومواقع لحزب الله في سوريا، لم تتزحزح إيران عن مواقعها، بل قامت بالرد من خلال بعض الضربات للمواقع التي تحتلها “إسرائيل” في هضبة الجولان، مما استدعى رداً “إسرائيلياً” هو الأعنف منذ “يوم الغفران” 1973.

وفي معرض حديثه، أشار صعب إلى التسوية الدبلوماسية التي تقدمت بها روسيا، اللاعب الأقوى في سوريا، والتي تتضمن سماح “إسرائيل” لقوات الأسد بالسيطرة على الجنوب السوري دون عوائق، مقابل قيام إيران بسحب ميليشياتها من المنطقة. حتى أن موسكو اقترحت أن جميع القوات الأجنبية (بما فيها إيران، حزب الله، تركيا، والولايات المتحدة)، ستنسحب من سوريا لاحقاً، باستثناء القوات الروسية.

وأشار صعب إلى أن مبادرة روسيا لها فوائد من حيث أنها يمكن أن تهدئ الصراع الأكثر ديناميكية في سوريا (بين إسرائيل وإيران)، إلا أن هذه المبادرة تفتقد عنصراً أساسياً: شراء حصة إيران.

واستطرد صعب قائلاً: “ليس من الواضح على الإطلاق أن موسكو تشاورت مع طهران قبل التوصّل إلى تفاهم مع “إسرائيل”. لكن حتى لو افترضنا أنها فعلت ذلك، فمن الصعب تخيّل أن رد طهران كان إيجابياً. “إسرائيل” تدرك أن روسيا لا تستطيع فرض تفضيلاتها على إيران، التي تنتشر وحداتها ووكلائها العسكريين على نطاق واسع في سوريا، وهي أقوى القوات على الأرض. وحتى إذا تمكنت روسيا من إقناع إيران بسحب القوات التابعة لها إلى مسافة تتراوح بين 60 و 70 كيلومتراً إلى الشرق من خط وقف إطلاق النار في مرتفعات الجولان التي تحتلها “إسرائيل”، فإن “إسرائيل” ستبقى لديها شكوك حول قدرة روسيا على فرض الامتثال في حال وقوع انتهاك إيراني. وفي نهاية المطاف، إن قرار طهران هو الأكثر أهمية بالنسبة إلى وساطة روسيا”.

واستناداً إلى هذه الحيثيات خلص صعب إلى أن إيران تمتلك ثلاثة خيارات رئيسية في الجنوب السوري، الأول: تجاهل اقتراح روسيا وإبقاء الأمور على وضعها الراهن. والثاني: سحب جميع القوات التابعة لإيران من الجنوب السوري، وتعزيز وجودها في مكان آخر. والخيار الثالث: تفكيك البنية التحتية العسكرية الإيرانية في سوريا، وتكرار نموذج حزب الله اللبناني، كما فعلت في العراق، وذلك بالعمل من خلال وكلاء سوريين.

وفي حين أن الخيار الأول يحرر إيران من أي التزامات، إلا أنه يحمل في جوهره خطر إثارة نفور روسيا، وإشعال صدام كبير مع “إسرائيل”، الأمر الذي سيؤدي إلى تدخل عسكري من واشنطن، التي تبحث عن عذر لمعاقبة إيران. وفي ظل هذه الظروف، يمكن لإيران أن تحاول تجنب الحرب من خلال استيعاب أي هجمات إسرائيلية أخرى ضد قواتها في سوريا، وتأمل في أن تمنع القوات المسلحة التابعة لحزب الله وحماس في لبنان وغزة التصعيد الإسرائيلي. لكن الردع يمكن أن يفشل، إذا بدأت “إسرائيل” في زيادة وتيرة ونطاق ضرباتها، فمن غير المحتمل أن ترى قيادة الحرس الثوري الإيراني “إسرائيل” تسحق كل أصولها في سوريا ولا تفعل شيئاً حيال ذلك.

أما الخيار الثاني فمن شأنه أن يحوّل غضب “إسرائيل” في الوقت الحالي، لكنه سيضعف يد المساومة الإيرانية وقد لا يحل المشكلة من وجهة نظر “إسرائيل”. وكانت “إسرائيل” قد قالت بأنها لن تتسامح مع أي حشد عسكري إيراني في سوريا، وهو ما قد يعني أن غاراتها لن تتوقف إلى أن تتوقف إيران ووكلائها عن العمل في سوريا. وربما تتساءل طهران لماذا يجب عليها أن تقبل بعدو لا يرضيه إلا تحقيق جميع أهدافه ؟ فإذا كانت أهداف “إسرائيل” متطرفة وغير قابلة للتفاوض، فقد تحسب طهران أنه سيكون من الأفضل الوقوف صامدة وإجبار “إسرائيل” على التوصل إلى نوع من التسوية.

وبالنسبة للخيار الثالث فمن شأنه أن يزيل فعلياً خطر الحرب مع “إسرائيل”، لأنه سيلبي جميع مطالب كيان الاحتلال، لكنه سينهي أيضاً كل آمال إيران في بناء قوتها الصلبة في سوريا وجني كل المكاسب، بما في ذلك الردع الاستراتيجي الإضافي. حيث لا تزال إيران تسعى إلى تطوير قوتها في سوريا كوسيلة للحفاظ على نفوذها، إلا أن هذا الأمر سيكون أكثر صعوبة دون موطئ قدم على الأرض.

وأشار صعب إلى فكرة حرمان إيران من النفوذ العسكري في سوريا، ستجعل الديكتاتور الأسد يعرقل جهود طهران بسهولة أكبر لتأسيس وكالة تعمل خارج حدود الدولة السورية، مثل حزب الله في لبنان. وكذلك، فإن إقامة دائرة شيعية في سوريا ذات الأغلبية السُنّية تحت الحكم العلوي (بافتراض بقاء الأسد في السلطة) بدون وجود عملاء إيرانيين وتمويل رجال الدين، والتدريب، والتسليح، والتبشير سيكون أمراً شبه مستحيل. وأخيراً، من دون قوة عسكرية في سوريا، ستكون إيران أقل قدرة على الدخول في صفقات اقتصادية مع النظام السوري، التي من شأنها أن تساعدها في تمويل مثل هذا المشروع الطائفي الطموح في سوريا.

وأوضح صعب في ختام مقالته أن لا أحد يملك أدنى فكرة عن القيمة الاستراتيجية التي ستضعها إيران على وجودها العسكري في الجنوب السوري. وإن طهران لا تساوِ شيئاً ما لم تكن براغماتية، لكن في بعض الأحيان تتفوق الأيديولوجية على العقلانية في السياسة الخارجية الإيرانية، كما تشهد على ذلك مختلف الأمثلة على السلوك الإيراني في الحرب الإيرانية العراقية. ولعل الصراع مع إسرائيل سيتصدر جميع الاعتبارات الأخرى.

وسيعتمد قرار إيران أيضاً على وجود (أو عدم) الحوافز الإيجابية. إذا لم يُعرض على إيران أي شيء مقابل تعاونها، فمن المتوقع منطقياً أن تتمسك بأسلحتها. ومن ناحية أخرى، إذا كان هناك مجال للتفاوض، ربما يكون حول مصير القاعدة العسكرية الأمريكية في التنف، فقد تكون إيران أكثر قدرة على تقديم التنازلات.

واختتم صعب مقالته بالقول: “يبدو أن إسرائيل قد أغلقت الباب أمام المساومات بسبب خطوطها الحمراء في سوريا، وجميعها تمنع إيران وحزب الله من أي نوع من الوجود العسكري. ومن المؤكد أن هذا طلب إسرائيلي شرعي، بما أن إيران ليس لديها أعمال نشر القوات والقذائف بعيدة المدى خارج أراضيها عند الحدود الشمالية الشرقية لإسرائيل، ولكن هذه هي الحقائق. إن رفض إسرائيل الالتزام بأهداف أكثر واقعية في سوريا قد قلل من فرص التوصل إلى تسوية سلمية تفاوضية”.

وفي غضون أيام قليلة، سيأمر الأسد قواته المدرعة الرابعة والخامسة باستعادة مدينة درعا وضواحيها، إلى جانب المنطقة المتاخمة لإسرائيل. وإذا كانت إيران تعارض مع رغبات “إسرائيلية” وروسية وتدمج رجالها في جيش الأسد، فقد يعني ذلك أن طهران قررت رفض عرض روسيا. وإذا بقيت بعيدة فهذه إشارة، وإن لم تكن حاسمة، تدل على أنها تقبل الحل. ولكن حتى في ذلك الوقت، سيظل الشيطان كامناً في التفاصيل، وما زال يتعين على روسيا أن تُظهر لكيان الاحتلال الإسرائيلي والولايات المتحدة والأردن أنها ليست فقط راغبة، بل قادرة على تحويل مبادرتها الدبلوماسية إلى حقيقة”.
المصدر American interest
التعليقات

عذراً التعليقات مغلقة

    عاجل