مآلات الربيع العربي وأثرها على نقل السفارة الأمريكية

سليمان نحيلي17 مايو 2018آخر تحديث :
مآلات الربيع العربي وأثرها على نقل السفارة الأمريكية

إنّ توقيع الرئيس الأمريكي ترامب قرار نقل سفارة بلاده إلى القدس- والموضوع طي الأدراج طيلة حكم الإدارات الأمريكية السابقة، ومن ثمّ تنفيذه في الرابع عشر من شهر أيار مايو الحالي، والذي اختير له ذكرى مرور سبعين عاماً على النكبة الفلسطينية بشكل مقصود لا يخفى على الجميع أبعاد ومعاني هذا التاريخ- لم يكن ليأتي من فراغ، بل لقد استفاد ترامب من جملة ظروف منها ماهو محلي على الصعيد الوطني الفلسطيني، والذي يمثل الخلاف المزمن ما بين فتح وحماس عنوانه الكبير، علاوةً على الوضع العربي والإسلامي المهلهل.

ولكنّ ما أريد التركيز عليه تحديداً هنا، هو أنّ توقيع القرار المشؤوم بنقل السفارة وتنفيذه من نتائج فشل رياح التغيير التي شملت المنطقة العربية عبر ثورات الربيع العربي، بل أكادُ أجزمُ أنّها سببٌ رئيسيٌّ لهذا القرار وتنفيذه على الأرض، والذي كان يُعدُّ في عهد الإدارات الأمريكية السابقة عامةً في (محمودة العواقب).

لا شكّ أنّ فلسطين وعاصمتها القدس الشريف،تشكل من حيث الأهمية القضية المركزية للعرب والمسلمين، وهي قضية حيّة راسخة في وجدان هذه الشعوب، ولا شكّ أن إسرائيل تدرك هذه الحقيقة تماماً، ولذلك لم يكن يقلقها البتّة رفع أنظمة الدول -التي وصلتها رياح الربيع العربي- رسميّاً لشعارات القضية الفلسطينية ووجوب واتهامهم التنازل عن القدس وعاصمة أبدية لفلسطين، لأن ذلك لايتعدّى فعليّاً إطار الشعارات الرّنانة المفرغة من أيّ محتوىً نضالي فعلي منتج، أو الخُطَب المدبّجة في القمم العربية المتراكمة، والتي لم تستطع تحرير فلسطين ولو على الورق. لكن ماكان يقلقُ إسرائيل عاماً هو نجاح ثورات الربيع العربي التي شملت خمس دول، منهما اثنتان جدُّ هامتان تحدّان الكيان الصهيوني وبالتالي أن تصل إلى السلطة فيها أنظمة تفرزها إرادة الشعوب العربية وتعزيزها، تلك الشعوب التي تحيا القضية الفلسطينية في وجدانها.

في الحقيقة لقد أدركت اسرائيل منذ بداية الربيع العربي وخصوصاً بعد إسقاط نظام مبارك في مصر أنه لو نجح هذا الربيع فإنه سيؤسسُ لنظامٍ رسميٍّ عربيّ جديدٍ، قويٍّ ومتماسكٍ ووطنيٍّ يقلبُ معادلة الصراعِ لمصلحة الفلسطينيين والعرب. إذ أن سقوط أنظمةٍ ضمنت لاسرائيلَ هدوء جبهة الجولان وسيناء لعقودٍ طويلة، سيغيّرُ موازينَ القوى في المنطقة، وسيُخرجُ لاعبين رئيسيين ويُدخل آخرينَ مضمار اللعبة.

لكلّ ذلك سعت الإمبريالية والصهيونية العالمية إلى العمل على إجهاض هذه الثورات أو حرفها عن مسارها الديمقراطي الوطني، وشرعت بالتآمر عليها في كلّ بلد نجحت فيه أو كادت تنجح، آخذةً في الحسبان محبّات كل بلدٍ القومية والطائفية والمذهبية، مجنّدةً شركاءها وأذرعها في المنطقة لِلَعِبِ هذا الدور وتنفيذه. قبل أن تنتهي الخكومات التي أنتجتها الثورات من مرحلة البناء الداخلي السليم، لتتوجه بعدها إلى العمل مع شعوبها في سبيل قضيتهم المركزية.

ففي مصر دُبِّرَ لانقلاب السيسي على الشرعية التي أنتجتها الثورة المصرية والتي يمثّلها رئيس ٌ منتخبٌ هو مرسي. وتم بذلك خطف الثورة والعودة بها إلى المربع الأول ما قبل الثورة المصرية. وفي ليبيا وعقب سقوط نظام القذافي تم إذكاء نار الفتنة الداخلية عبر تعزيز العصبية المناطقية، وزرع تنظيم داعش الإرهابي، واستخدام اللواء المتقاعد حفتر، فكانت ليبيا الفوضى والاقتتال. وفي اليمن تمّ تحريك الذراع الحوثيّ المدعوم إيرانياً والمُتغاضى عنه من الغرب، وحلّ ماحلّ باليمن من انقسام وحرب أهلية مازالت دائرةً وحرفت الثورة عن مسارها ومكتسباتها الحقيقية الصحيحة. وأما في سورية المتاخمة لإسرائيل، كان نظام الأسد قاب قوسين أو أدنى من السقوط، النظام الروسي والإيراني، وبديهيّ القول أن ذلك التدخل من الروس الايرانيين لم يكن دون ضوءٍ أخضر من الغرب والصهيونية العالمية، غير غافلينَ ما لهاتين الدولتين من مصالح لا تتنافى في معظمها مع مصلحة الصهيونية، بالإضافة للنجاح إلى حدّ كبير بإلصاق صفة الإرهاب بالثورة والثوار عبر ادعاءات نظام الأسد بأنه ليس في معرِض ثورة شعبية ذات مطلبية حقوقية، وإنما في مواجهة مجاميع إرهابية إلى الحدّ الذي أرعبَ الغرب من البعبع الداعشي المصطنع والمصنّع، الأمر الذي أدى إلى تشكيل تحالف دولي لمحاربة الإرهاب، وتُرك الروس والإيرانيون ينفردونَ بالشعب السوري الأعزل قتلاً وتدميراً وتدميراً، فأجهضت الثورة السورية.

إن كل هذه المحاولات المذكورة لخطف وإجهاض وحرفِ ثورات الربيع العربي كانت بتدبيرٍ من الصهيونية والإمبريالية العالمية خدمة لمصالحها ومصالح ربيبتهم إسرائيل. وخلاصة القول: إن تنفيذ القرار الأمريكي بنقل السفارة الأمريكية إلى القدس كان من أهم تداعيات ونتائج عدم نجاح ثورات الربيع العربي في الوقت المنظور على الأقل، تلك الثورات التي عملت الصهيونية العالمية على خطفها، أو حرفها عن مسارها الصحيح الذي لو تركته الإمبريالية والصهيونية العالمية يحقق غايات هذه الثورات في بناء دولة المواطنة والديمقراطية والقانون لانقلبت به معادلة الصراع العربي الإسرائيلي رأساً على عقب لمصلحة القضية المركزية للعرب والمسلمين في استعادة فلسطين وعاصمتها القدس الشريف.

التعليقات

عذراً التعليقات مغلقة

    عاجل