عمالة الأطفال والتسرب المدرسي تصل لمستوى غير مسبوق في شمال حمص

عمالة الأطفال في ريف حمص الشمالي – عدسة سليمان طه

سليمان طه – حرية برس:

دفعت ظروف الحرب الشاملة التي شنها نظام الأسد بعد انطلاق الثورة السورية، الكثير من الأطفال إلى ترك مدارسهم بعد توقف عملية التعليم، خصوصاً بعد تحول الثورة للعسكرة ونتيجة التصعيد العسكري الكبير الذي مارسه نظام الأسد ضد المدنيين، الأمر الذي نتج عنه انتشار ظاهرة “عمالة الأطفال “.

وقال الأستاذ “أكرم الصالح”، لـ “حرية برس”، ” أن سبب ابتعاد الأطفال عن أجواء الدراسة والتعليم وخروج معظم المدارس عن الخدمة هو عمليات النظام العسكرية المستمرة والممنهجة ضد المدنيين، حيث تشهد مدن وبلدات ريف حمص الشمالي قصف يومي”.

في حين يؤدي انعدام الأمان لتناقص أعداد الطلاب والسبب في ذلك هو القصف المستمر من قبل قوات النظام، مما دفع كثيرين للامتناع عن إرسال أطفالهم للمدراس خوفاً على حياتهم.

وأضاف “الصالح” في حديثه: ” بدأت هذه الظاهرة بالانتشار والتوسع بشكل أفقي أي توزع الأطفال على عدد لا بأس به من المهن المتنوعة كبيع المحروقات على الطرقات، مما يجعله عرضة للموت نتيجة القصف بأي لحظة، وكذلك العمل في ورشات الميكانيك والكهرباء، وقد يصل بهم الحال إلى العمل في ورشات تتطلب جهوداً عضلية لا تتناسب مع جسدهم الصغير”.

كما يبلغ عدد الأطفال في ريف حمص الشمالي، دون سن الثانية عشر ما يقارب الـ 2000 نسمة، و حوالي 30 بالمئة منهم خارج العملية التعليمية ومنهم من يصل به الحال إلى درجة التسول”.

وأوضح “الصالح” أن انعكاس الواقع الأمني والإنساني الصعب على حياة الأطفال “يعرضهم لضغط نفسي كبير”، كما تجبره هذه الأوضاع على وجوده بـ “ورشات صناعية”، يصعب على الكبار تحملها تبعاتها النفسية والجسدية.

وأردف قائلاً : “لا يخفى على عاقل أثر هذه الظاهرة على المجتمع بشكل عام، حيث أن هؤلاء الأطفال هم شباب ورجال المستقبل، كما ينعكس ذلك على الحالة النفسية والاجتماعية للأطفال، حين يرى أقرانه يتعلمون في المدارس، بينما هو مسؤول عن تأمين احتياجات أسرة، لافتاً ان المسؤولية تجبره عن إيقاف مسار مستقبله”.

وعزا “الصالح” أسباب انتشار الظاهرة للأوضاع الاقتصادية المتردية لدى معظم عائلات الأطفال، وعدم قدرة والد الطفل على تأمين العمل بسبب عدم توفر فرص عمل له.

يأتي ذلك في ظل غلاء الأسعار، وصعوبة الوضع المعيشي، نتيجة الحصار المفروض على منطقة شمال حمص منذ 4 أعوام. بينما يكون الطفل أمام خيار وحيد وهو العمل أو تعلم صنعة من أجل مساعدة عائلته في ظل الحصار، ما يضاعف متاعب الأطفال إضافة لأضرار ظاهرة “عمالة الأطفال”.

و تابع “الصالح” قائلاً ” إذا أردنا علاج هذه المشكلة التي تفتك بثنايا المجتمع فعلينا تشخيص أهم أسباب هذه الظاهرة، وهي فقدان المعيل الأساسي للأسرة وهو الأب، فإما أن يكون معتقل أو شهيد أو مصاب وفي أحسن الأحوال يكون موجود ولكن لا يوجد فرص عمل وإن وجدت فهي لا تكفي لسد رمق الأسرة وتأمين احتياجاتها الأساسية”.

وأوضح أن من أسباب انتشار الظاهرة أيضاً، ارتفاع المستوى المعيشي وغلاء الأسعار بشكل جنوني وانعدام الدخل مما يدفع الأب مكرهاً إلى الاعتماد على أطفاله لمساعدته في تأمين احتياجات الأسرة”.

وأيضا يشكل غياب الإدراك لدى بعض أولياء الأمور عن مدى أهمية هذه المرحلة في حياة الطفل، و تأثيرها على الحالة الجسدية والنفسية ودورها البارز في تكوين ميوله و اتجاهاته في المستقبل، سبباً آخر من أسباب عمالة الأطفال.

وشدد “الصالح”، على ضرورة إيجاد حلول لهذه الظاهرة للحد من انتشارها، ومن خلال العمل ضمن برامج توعوية للمجتمع، وكذلك تأمين بدائل مناسبة لأرباب الأسر، وخلق فرص عمل لهم، وتعويضات مادية للعائلات التي فقدت معيلها، حيث يؤدي هذا لمواجهة الظاهرة التي باتت تفتك بأجساد الأطفال حسب وصفه، علاوة عن أضرارها الجسيمة على المجتمع ككل.

مؤكداً بدوره ” أن جميع الفئات العمرية للأطفال أجبرتهم الظروف على هذه الأعمال التي وصفها بالشاقة، و التي لا تُناسب أعمارهم بعيداً عن حقهم في التعليم مثل كل أطفال العالم”.

وقال ” محمد جمعة”، وهو طفل منعته ظروف الحرب عن إكمال دراسته الإعدادية، بعد أن أصبح المعيل الوحيد لأهله، بعد قيام قوات النظام باعتقال والده منذ 3 سنوات، “أعمل في صيانة الدرجات النارية من أجل مساعدة عائلتي المؤلفة من 8 أفراد”، ويؤكد أنه “مجبر على العمل يومياً لتأمين ما يقارب الـ 3 دولار أمريكي”، وعلى قلتها إلا أن العمل السبيل الوحيد لتحصيل المال وتأمين الطعام لإخوته الذين هم أصغر منه في السن.

و أكد “جمعة “، متحدثاً عن قراره بالعمل في مجال صيانة الدراجات، “جاء قراري عندما كنت أنظر إلى وجه والدتي، كان يترسم عليه كل هموم الدنيا، وهي تبكي بلا حيلة، أصبحنا بلا معيل بعد غياب والدي في سجون قوات النظام، وبعد أيام من عملي أصبحت أرى ابتسامتها والدعاء لي، وكأن في قلبها غصة، وهي تتسأل لماذا انا لست مثل كل أطفال العالم”.

وختم ” جمعة ” كلامه قائلاً : “لقد فقدت حقي بالتعليم، واستمريت في العمل في ظل عدم وجود مصدر دخل بديل لنا، بسبب الحصار والوضع المعيشي الحالي، وكي لا أرى دموع أمي تنهمر مرة أخرى”.

Print Friendly, PDF & Email
رابط مختصر
2018-02-01
فريق التحرير