رسائل حميميم الروسية

حسين عبد العزيز16 ديسمبر 2017آخر تحديث :
رسائل حميميم الروسية

إذا كانت زيارة بشار الأسد المفاجئة إلى مدينة سوتشي الروسية، في العشرين من نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي، تحمل أبعاداً سياسية مرتبطة بالملف السوري، فإن زيارة الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، إلى قاعدة حميميم في اللاذقية، تحمل أبعاداً سياسية مرتبطة بالشأن الروسي أولاً، ثم السوري.

ولم يكن بوتين بحاجة إلى تكلف عناء الذهاب إلى قاعدة حميميم في سورية، لإعلان سحب جزء من القوات العسكرية الروسية، وليس ثمّة ضرورة سياسية تقتضي ذلك، بعد لقاء سوتشي الثنائي، لكن طريقة الزيارة ومخرجاتها الفنية ترمي إلى تحقيق بروباغندا إعلامية، جمهورها الشعب الروسي، وليس الشعب السوري.

وإذا كانت الحرب الروسية في سورية قد رفعت من أسهم بوتين أمام شعبه، كونها أعادت إحياء نزعة القوة لدى شعبٍ طالما امتلك مقوماتها خلال القرن الماضي، فإن إعلان بوتين انتهاء هذه الحرب من داخل القاعدة العسكرية الروسية في سورية سيضاعف من رصيده الشعبي، وهو مقبل على الاستحقاق الانتخابي. وهو الذي أراد أن يظهر أمام شعبه وكأنه الرجل الوحيد القادر على صنع السلام في بلدٍ تخطت أزمته حدود المعقول، بعدما كان الرجل الوحيد على الساحة الدولية الذي استطاع تغيير مجريات الأمور في سورية. ولكن الزيارة تتجاوز أيضاً قضايا الداخل الروسي، فهي تحمل رسائل عدة إلى مختلف الفرقاء بما فيهم الحلفاء:

الأولى تؤكد أن قاعدة حميميم أرضٌ روسية وليست سورية، وأن الأسد هو الذي جاء للقاء بوتين وليس العكس، وأن روسيا باقيةٌ في هذه القاعدة وقاعدة طرطوس إلى أجل غير مسمى، بشكل غير مرتبط بتداعيات الأزمة السورية. الثانية، ذهاب بوتين إلى حميميم بدلاً من دمشق وإعلانه سحب عددٍ من القوات الروسية يؤكد أن القرار الاستراتيجي في سورية يصدر من حميميم، ترميزاً جغرافياً لموسكو، ولا يصدر من دمشق. الرسالة الثالثة هي إلى الغرب، وتحديداً واشنطن، أن موسكو هي صاحبة اليد الطولى في سورية، مع ما يعنيه ذلك من أن استحقاق السلام يجب أن يمرّ عبر بوابة الكرملين. الرسالة الرابعة هي إحراج للبيت الأبيض بضرورة سحب قواته العسكرية من سورية، أو على الأقل تسليط الضوء على عدم شرعية هذا الوجود. فإذا كانت روسيا التي دخلت إلى سورية بطريقة شرعية، بالاتفاق مع حكومة دمشق، قرّرت سحب قواتها بعد هزيمة تنظيم الدولة الإسلامية، فالأَوْلى بالقوات الأميركية أن تفعل ذلك.

فهمت واشنطن الرسالة، فسارعت إلى التشكيك في جدوى الإعلان الروسي بالقول، عبر الناطقة باسم مجلس الأمن القومي التابع للبيت الأبيض، “نعتقد أن الإعلان الروسي عن هزيمة داعش سابق لأوانه… رأينا مراراً في التاريخ الحديث أن أي إعلانٍ عن النصر سابقٍ لأوانه، يعقبه فشل في تدعيم المكاسب العسكرية، واستقرار الوضع، وتهيئة الظروف التي تحول دون إعادة ظهور الإرهابيين”. وما قالته الناطقة باسم مجلس الأمن القومي مواربةً، أعلنه البيت الأبيض بوضوح، حين أكد أنه لا ينوي سحب القوات العسكرية من سورية. ولا تقتصر رسائل سحب القوات على الجانب الأميركي فقط، بل تشمل إيران أيضاً، فإذا كانت روسيا القوة الضاربة في سورية قد سحبت جزءاً من قواتها، فالأَوْلى بإيران أن تفعل ذلك أيضاً. وتدرك موسكو أهمية الحضور الإيراني في سورية وقوته، وأن استمرار هذا الحضور بهذه الطريقة سينعكس بالسلب على الجهود الروسية في الحل السياسي. وهناك رسالة إلى النظام السوري، أن مرحلة العسكرة انتهت من الناحية الاستراتيجية، وأن مرحلة التسوية السياسية بدأت.

وعلى الرغم من رسائل القوة التي حملتها زيارة بوتين إلى قاعدة حميميم، فإنها حملت رسالة ضعف أيضاً، فروسيا غير قادرة وحدها على إنفاذ سياسات القوة بمفردها، وهي بحاجة إلى تعاون مع شركاء كثيرين، مثل الولايات المتحدة وإيران وتركيا في المقام الأول، والسعودية وقطر ومصر في المقام الثاني، وهذا ما يفسر الانفتاح الروسي على قطر والسعودية.

اكتشف صناع القرار في الكرملين أنهم غير قادرين على إنجاز حل سياسي، في حدوده المعقولة، من دون الآخرين القادرين على عرقلة المشروع الروسي في سورية، حتى النظام السوري نفسه، وعلى الرغم من ضعفه الشديد، ما زال يمتلك أوراقاً داخلية، تمكّنه من امتصاص الضغوط الروسية، إذا ما تجاوزت الخطوط الحمراء.

تشكل زيارة بوتين إلى حميميم فاصلاً بين مرحلتين، ستكون الثانية أكثر صعوبةً واختباراً حقيقياً لمدى قدرة موسكو على إظهار قدراتها السياسية في تنفيذ رؤيتها.

المصدر العربي الجديد
التعليقات

عذراً التعليقات مغلقة

    عاجل