حياكة الأمل..

فريق التحرير8 ديسمبر 2017آخر تحديث :
تعمل عيدة في الخياطة لإعالة أولادها بعد تجربة اعتقال قاسية لدى قوات الأسد

لجين المليحان – حرية برس: 

“عيدة” سيّدة سورية من منطقة اللجّاة في ريف درعا الشرقي، تعمل في مهنة الخياطة كي تعيل أولادها وتغنيهم عن حاجة الناس، لا تملك سوى آلة خياطةٍ قديمة، ورثتها عن أمها، وبعض الذكريات حين كانت تنعم بحياةٍ مريحةٍ نوعاً ما، قبل بدء عصابات الأسد حربها على الشعب السوري.

حياةٌ لا تخلو من الحمد (الحمد لله) كما تقول وأسرتها تحيط بها ويستطيعون تأمين حاجاتهم الأساسية، ولكن الحال انقلب فجأةً في السنين الماضية، حيث تسبب فقدان زوجها بتحملها لأعباء البيت والأولاد وحيدة.

أصبحت “عيدة” تنسج الملابس والحقائب للجيش الحر في المنطقة، واستطاعت “عيدة” (أم أحمد) تأمين قوت يومها من مردود عملها في الخياطة.

وفي أحد الأيام كانت “عيدة” ذاهبة إلى مدينة إزرع التي تسيطر عليها قوات الأسد لكي تجلب نواقصها من لوازم الخياطة، لم تكن على علم بما يخفيه لها ذاك اليوم، فما هي إلا امرأة تبحث عن رزق أولادها الصغار، ولكن الأمر لم يكن هكذا، فقد كان اسمها مدرجاً في اللوائح الأمنية لدى قوات الأسد بسبب تقرير أمني قد رفع بها من أحد عملاء النظام بالمنطقة، لتجد نفسها متهمة بمساعدة “الجماعات المسلحة”.

قبض على “عيدة” على الحاجز العسكري الواقع بين إزرع واللجّاة غربي بلدة النجيح في وقت الظهيرة، وساقوها إلى فرع الأمن العسكري بمدينة ازرع، بقيت فيه حوالي عشرة أيام في زنزانة سوداء برفقة نساء اعتقلن بنفس الطريقة.

تقول “عيدة” لحرية برس: عندما وصلت إلى الفرع الأمني، كنت خائفة جداً من الأمن والاعتقال، ومئات الاسئلة تجوب نفسي في لحظات، ما هو سبب اعتقالي؟ وما هو مصيري؟ ماذا سيحدث لأطفالي الصغار؟

كانت الغرفة التي اعتقلت فيها تفوح منها رائحة الخوف، لا شيء فيها أجلس عليه ولا أغطية أتدفأ بها احتضن بها خوفي، كنت أسمع أصوات صراخ عناصر الأمن بالخارج، ويجول في فكري أنهم قادمون إلي، لكنهم كانوا مشغولين بتعذيبهم لآخرين تم اعتقالهم أيضا، بقيت في فرع الأمن العسكري لمدة، ثم تم تحويلي إلى فرع الأمن العسكري بدرعا، وهناك في فرع درعا كانت عدد النساء المعتقلات أكثر والمكان ضيق ومخيف ورائحته ممزوجة بالدم والتعذيب وآهات المظلومين، عندها أحسست أن نهايتي قد دنت في هذا المكان، قضيت 15 يوماً ولم يسأل عني أحد.

سمعت باب الزنزانة يفتح وينادى بإسمي، لم أستطع النهوض وكدت أموت من الخوف وتبعثرت كلمات الاسئلة في ذهني، تأخرتُ بالنهوض فصرخ السجان: هيا أنهضي بسرعة، وقفت وأنا أرتعش بشدة ،أخذني إلى غرفة يوجد فيها شخص جالس على كرسي وأمامه طاولة وبجانبه شخص آخر يقف، بدأ يسألني عن اسمي وتفاصيل عن حياتي وأسرتي حتى وصل بالسؤال، لماذا تخيطين ملابس وحقائب للجماعات “المسلحة الإرهابية”؟

تلعثمت ولم أعرف ماذا أجيب وقلت كذب أنا خياطة أخيط للنساء فقط، فأعاد السؤال من جديد وشرع يسألني أكثر من مرة عن موضوع الخياطة وعن علاقتي بمن اسماهم إرهابيين، ولكني لم أجب.

بكت “عيدة” وهي تتكلم عن فترة اعتقالها وترددت بالحديث لنا عن تعامل الأفرع الامنية للأسد معها ومع النساء بالسجن، تكمل “عيدة”: تعرضت للضرب والتعذيب في محاولة من السجانين لكي أعترف عن أسماء عناصر الجيش الحر وعن أسماء الذين أخيط ثيابهم وعن تفاصيل المنطقة وماذا يجري بها، وهددوا بقتلي إن لم أعترف، قطعوا عني الطعام والماء، وقاموا بوضعي في غرفة منفردة ل 45 يوماً لم أعرف بها سوى أصوات تصيح في الليالي من شدة التعذيب، ولم أرى شمساً أو نوراً إلا عندما يفتح السجان الباب ليلقي لي بعض الطعام على أرض المنفردة أو للتحقيق معي، وبعدها نقلت إلى الزنزانة الجماعية التي كنت فيها بالبداية.

كانت إحدى ليالي الاعتقال الاكثر قساوة فيما مررت، لم تكن كغيرها بعد أن استدعوني للتحقيق لم أعد قادرة على التنفس بسبب ضيق المكان وقلة الطعام وفقدان الأمل بالخروج من المعتقل، طلبت المساعدة وطرقت الباب كثيراً لم يستجب أحد، لم أبصر أمامي سوى صور، وجوه أولادي وشريط ذكريات ما أنساني إياه المعتقل وأسئلة لم تكد تفارقني: ماذا حل بهم في غيابي؟ هل سأراهم مجدداً؟

بقيتُ رهن الاعتقال لمدة تزيد عن ثمانية أشهر ومن ثم خرجت والحمد لله، كنتُ شاهدةً على حالاتِ تعذيبٍ لنساءَ من الغوطة اعتقلنَّ على حواجز الأسد بتهمٍ باطلة، عذبنَّ بطرق مريبة، بالشبح والضرب والتجويع فقط لأنهنَّ من مدن الغوطة قرب دمشق، قصصٌ مؤلمة شهدتها أمام عيناي.

أذكرُ ذات يوم كنا في الزنزانة الجماعية، وكانت هناك فتاةٌ معتقلة من منطقة الحجر الأسود تم اعتقالها عند قدومها نازحة إلى عمتها المتزوجة في درعا وألقي القبض عليها على أحد الحواجز وهي فتاة عشرينية العمر وحامل بطفل بأشهرها الأولى لكن الحظ العاثر لهذه الفتاة كان أقوى منها. عندما تم استدعاء الفتاة للتحقيق عادت إلى الزنزانة بحالة سيئة بوجه شاحب لونه أصفر بسبب الخوف والتعذيب، يومها أجهضت جنينها وبقيت تنزف، نادت المعتقلات للحارس هناك حالة مرضية لكنه لم يقبل أن يسعفها، لم نستطع فعل شيء لها حاولنا ببعض ملابسنا إيقاف الزيف لكن الفتاة فارقت الحياة.

قصة “عيدة” واحدة من آلاف القصص التي يعانيها الشعب السوري في ظل نظام وحشي لا يفرق بين سيدة أو شيخ أو طفل.

إعداد لجين المليحان – تحرير أدهم الخولي

التعليقات

عذراً التعليقات مغلقة

    عاجل