هنيئاً لنا… الأرض بتتكلم عربي

خطيب بدلة

أتوجه بأسمى آيات التبجيل والاحترام إلى السيد المواطن العربي الجميل، الوسيم، المحظوظ، كامل الأوصاف، الذي يجدرُ به أن يحمد الله، آناءَ الليل وأطرافَ النهار، لأن الله، جل جلالُه، قد جعل أبويه الكريمين يُخَلِّفانه، أو يبذرانه ضمن رقعة الوطن العربي الممتدة من المحيط الهادر إلى الخليج الثائر؛ ويترحم على “أحمد سعيد” الذي كان يكتب ويقدم التعليق السياسي من إذاعة “صوت العرب” أيام انفصال الوحدة العربية التي زعم المطربُ محمد قنديل أنها (وحدة ما يغلبها غلاب)،..

أحمد سعيد الذي لم يذهبْ صراخه سدى، بل تتلمذ على يديه، عبر السنين، جيشٌ عرمرمٌ من المعلقين الإذاعيين والتلفزيونيين، والمحللين الاستراتيجيين العرب الأشاوس الذين ما زالت السماء العربية تُمطر وابلاً من ترهاتهم فوق رؤوسنا حتى هذه اللحظة التاريخية الحساسة.

أنْ يعيش الإنسان فوق سطح الأرض التي زعم السيد مكاوي أنها تتكلم عربي.. ليس أمراً عادياً، أو عابراً، بل على العكس، إنها ليلة سعد، وضربة حظ.. ومن لا يصدق فليجلس على أقرب أريكة في بيته، ويتسلح بجهاز الروموت كونترول، ولينظر إلى المواطن العربي وهو يستعرض محفوظاته التي لقنه إياها الذين خلفوه، أو الذين (بذروه)، فحفظها غيباً..

يتحدث عن الأخلاق، باعتبار أنه قمة في الأخلاق، ولئن كان يكذب أحياناً، فكذباتُه معظمها بيضاء، ناصعة، وإن كان يغش في أحيان أخرى، فهو يغش لأجل غرض شريف.. ولكنه، عندما تحق الحقائق، رجل يشق الشَّعْرة طولانياً إلى قسمين، ويقرض رأس الحية، يمشي مختالاً، مثلما صوروه لنا في مسلسل “باب الحارة”، يضع سلاحه في أسفل كرشه، لا لشيء إلا ليراه القاصي والداني، فلا يظنن أحد أنه، لا سمح الله، غير مسلح.

إنه رجل قوي، صامد، مقدام، أشوس، بدليل أنه لا يقف مكتوف الأيدي حينما يرى رئيس دولة، مثل ابن حافظ الأسد مثلاً، يُمطر شعبه بالقنابل والبراميل، ويقعد مترقباً رد فعل حكومته تجاه ما يحصل من مجازر ترتكب بحق هذا الشعب، فإذا ما أخذ الضوء الأخضر من حكومته خرج، مع أقرانه، في مظاهرات غاضبة، يحرق فيها الإرَم، ولا يترك شتيمة جارحة، ولا عبارة احتجاج واستنكار ضد الأسد والاستبداد والمستبدين والدول والمليشيات العابرة للحدود التي تساند المستبدين، وإذا وجد حكومته متعاطفة مع ابن حافظ الأسد فإنه يسكت. أو يقول: إن هذا شأن داخلي سوري، الله يفضها على خير، ويطفيها بنوره، وإذا كان الأمر يتعلق بفلسطين، فإنه يمصمص شفتيه ويقول: أنا أيش يطلع بيدي إذا كان دونالد ترامب نفسه أمر بنقل السفارة إلى القدس، وإذا كان عدد كبير من الدول العربية والإسلامية تتواصل مع إسرائيل (من تحت لتحت)، وتبارك لها استبدادها ضد الفلسطينيين والعرب والمسلمين؟

إن هذا المواطن العربي المتميز، هو، في الوقت ذاته، إنسان عاقل، حليم، متفهم، غير متسرع، فإذا رأى فعلاً سيئاً تقوم به الحكومة الوطنية في الدولة التي يسكن فيها، كأن تعتقل أحد مواطنيه، وتخفيه، يقول إن هذا أمر لا بد منه، ولا بد من تضحية البعض في سبيل المجموع، وإذا تطور الأمر قليلاً، فاعتقلت سلطاتُ بلاده أحدَ أبنائه، يتمتم في سره قائلاً: الحمد لله الذي ألهمني على تخليف عدد كبير من الأبناء، فإذا ذهب أحدُهم في خبر كان، أو “إلى حيث ألقتْ رِحْلَها أمُّ قشعمِ”، يبقى لي الآخرون.. ومن باب الاحتياط، والمجاكرة، يطلب من امرأته العربية المناضلة (مثله) أن تتعاون معه في سبيل تخليف ولدين أو ثلاثة أولاد آخرين، وبذلك فإنهما يفقآن حبات حصرم كثيرة في أعين الأعداء الخارجيين المتربصين بحكومة دولته، والأعداء الداخليين الذين يتظاهرون بأنهم يدعون إلى تطبيق الحرية والديمقراطية في بلاده، ولكنهم، في الواقع، يريدون تسليم البلد لقمة سائغة للدول الإمبريالية الحقيرة.

Print Friendly, PDF & Email
المصدر - مدونات العربي الجديد
رابط مختصر
2017-12-27 2017-12-27
خطيب بدلة