صيدنايا.. قلعة الأسرار – مصاعب في السرية

مذكرات سجان في صيدنايا – الجزء الخامس

وليد أبو همام

مذكرات سجان في صيدنايا – الجزء الخامس

خمسة أشهر مرت على خدمتي في السرية لم يتغير موقفي من هذا المكان، ولكن بعد أحداث ذلك اليوم، يوم الانتفاضة الأولى،  أدركت أني في نعيم مقارنة مع عناصر “الداخلية” الذين أصبحوا يتسابقون للهروب من الخدمة فيها.

بالرغم من بعض المشاكل التي مرت بسلام.. لكن الخوف من الخطأ وما ينتج عنه كان يرافقنا دائماً، وخاصة عندما سمعت بقصة الرقيب خالد الشامي، وهو متطوع من حمص كان يخدم في السرية، اعتقل ووضع في سجن صيدنايا، لم يتكلم أحد عن سبب اعتقاله ولم نكن نجرؤ على السؤال، ولكن بين فترة وأخرى كان يتم استدعاء رقيبين موجودين معنا في المهجع للمحكمة كشهود في قضيته، حتى هما لم يفصحا عن السبب، لكني تمكنت بعد فترة من الزمن من دفع أحدهما للإفصاح عن سبب اعتقال خالد الشامي، وعرفت أن السبب هو أن زملاءه في المهجع كانوا قد طلبوا منه ذات يوم أن ينظف المهجع، فقال لهم: “خلي معلمكم بشار يجي ينظف”، ولأن للحيطان في صيدنايا آذان، وصل الكلام إلى العقيد قائد السجن، وتم اعتقاله وتحويله للمحكمة.

المساعد مصطفى كان هو صاحب القرار في السرية، وبرنامج الخدمة الذي يضعه كل يوم يجب أن ينفذ من قبل الجميع، وبما أني لم أكن أعترض على نوع الخدمة وبعكس صف الضباط المتطوعين الذين يرون بأن هم الأفضل فكانوا أحياناً لا يعجبهم توزيع الخدمة، لذلك كان المساعد مصطفى يكره من يعانده كثيراً، فيجعل خدمته جحيماً، أما أنا فكان يخفف عني في الخدمة، فأحياناً تكون خدمتي دورية واحدة في اليوم فقط، والدورية مدتها ساعتان، ويكون برفقتي مجند، وبعد أن يقوم رئيس الحرس بتوزيع الحرس تبدأ الدورية على المحارس من باب الاستعلامات، ثم نمر على المحارس التي كانت موجودة على السور و عددها تسعة داخل السور المحيط بالسجن، وأربعة محيطة بالسجن الجديد، وهو خالي تماماً، وكانت المسافة طويلة ولكن القوانين صارمة، حيث يجب أن نمر عليها مرتين، ثم نتوجه إلى الباب الرئيسي الموجود على الطريق العام، وقد وضعوا سجلاً لتوقيع رئيس الدوريةـ ومهما كانت الظروف فيجب أن تصل الى الباب الرئيسي.

كان أصعب يوم في الخدمة عندما يكون العقيد قائد السجن هو الضابط المناوب، فالجميع مستعد لأي شيء، والخوف مسيطر عليهم، فضباط السجن كانوا ثلاثة فقط، العقيد علي خير بك، والمقدم أديب، والرائد منذر سلامي، وهو من القرداحة، مسقط رأس عائلة الأسد.

بالنسبة للمقدم أديب لم نكن نراه إلا قليلاً، فقد كان يحضر نفسه لدورة تدريبية، وكان يمضي مناوبته في المكتب ويوم مناوبته لا نحس بوجود ضابط، أما الرائد منذر، فبالرغم من كونه شخصاً هادئاً، لكن اذا وصلته شكوى فهو يكون شديداً وقاسياً، وخاصة على المجندين المخالفين في الحرس، فكان يتم حرمان الكثير منهم من الإجازة بفضل بعض الرقباء الذين يحاولون جهدهم اصطياد أي مخالفة لتلميع صورتهم وتعزيز حضورهم لدى العقيد، وأشهرهم وأكثرهم ترصداً لهفوات العناصر كان الرقيب ربيع مرهج من جبلة، حيث كان جميع المجندين يكرهونه، كونه تسبب للكثير منهم بتأخير تسريحه بسبب العقوبات التي تجلبها لهم تقاريره بهم.

وضع المجندين “الحرس” كان صعباً من كل النواحي، فكانت مهاجعهم مزدحمة وطعامهم سيئاً، وكنت أراهم يعزفون عن تناول الطعام الذي يأتي من المطبخ ويشترون طعامهم من مالهم الخاص، والبعض لا يملك فراشاً لسريره أو بطانيات كافية تقيه برد الشتاء، والبعض منهم كانت ثيابه العسكرية مهترئة ممزقة، أو البوط العسكري مهترئاً، فيضطر إما لسرقة زميله أو أن يدفع للرقيب سامر المسؤول عن هذه الأشياء لتبديلها.

ومن المصائب التي كانت ستقع على رأسي أن أحد الرقباء وهو مجند حقوقي من طرطوس يدعى ماهر عطية كان يفترض أن يستلم مني رئيس حرس، بعدها تفاجأت أنه قد كتب في سجل الاستلام بأن غرفة الحرس ينقصها ثلاثين بطانية، يومها كان الرائد منذر هو المناوب فطلبني وقال: “وين راحت البطانيات؟”، فقلت له: أنا ما صرلي زمان بالسجن بدك تسأل الرقباء الباقين بعدين ليش هي أول مرة يصير فيها جرد؟”. فقال: “معكن يومين بدكن تخلقوهن وإلا بحولكن على القضاء العسكري”.

فقمنا بتفتيش مهاجع المجندين ووجدنا الكثير من البطانيات المسروقة، وقسم منها كان أحد المتطوعين يسرقها ليبيعه.

بالنسبة للمتطوعين وخاصة المساعدين كانوا يقولون لي أن فترة إدارة مدير السجن السابق وهو لؤي يوسف كانت أفضل، نتيجة التسيب وعدم الانتظام، فكانوا يشعرون بارتياح في عهده، أما علي خير بك فكان شديداً، ولا يرحم، وهمش دور صف الضباط، وكان كثيراً ما يشتمهم أمام العناصر، فكان الجميع يتحاشى الالتقاء به ولو مصادفة، حتى لو كان ماراً بسيارته.

… يتبع

لقراءة الجزء الأول: صيدنايا.. قلعة الأسرار – أول مشاهد الرعب / مذكرات سجان في صيدنايا – الجزء الأول

لقراءة الجزء الثاني: صيدنايا.. قلعة الأسرار – تحطم الآمال / مذكرات سجان في صيدنايا – الجزء الثاني

لقراءة الجزء الثالث: صيدنايا.. قلعة الأسرار – الخدمة في سرية الحراسة / مذكرات سجان في صيدنايا – الجزء الثالث

لقراءة الجزء الرابع: صيدنايا.. قلعة الأسرار – الانتفاضة الأولى / مذكرات سجان في صيدنايا – الجزء الرابع

Print Friendly, PDF & Email
رابط مختصر
2018-01-12 2018-01-12
وليد أبو همام