صيادو الأسماك بريف حمص يرابطون على الأنهار رغم شحها

صيد الأسماك يعتبر المهنة الأكبر لمعظم سكان منطقة تلدو في مدينة الحولة منذ القدم ـ عدسة بسام الرحال

بسام الرحال ـ حمص ـ حرية برس:

يؤدى فيضان مياه “سد تلدو” في سهل الحولة، لتدفق أعداد كبيرة من الأسماك في المجاري المائية للبحيرة، عبر الأراضي الزراعية في المنطقة الخاضعة لسيطرة الثوار بريف حمص الشمالي، حيث يعتبر هذا النهر مصدر دخل لكثير من الصيادين الذي يقضون ساعات طوال جالسين أمام شباكهم وصناراتهم، للحصول على بضع كيلو غرامات من الأسماك قد تكفيهم عن نقص اللحوم في طعامهم، في ظل ارتفاع أسعارها داخل المنطقة، أو بيعها في الأسواق لشراء حاجيات أخرى.

يتصل “سد تلدو” عبر مجرى مائي طويل ببحيرة الرستن شرق الحولة، كما يحجز مياه السيول القادمة من السفوح الشرقية لجيل الحلو، وتعد مياه السد مربى لعدة أنواع من الأسماك أهمها سمك الكارب، لكن قصف قوات الأسد لمجاري السد، بالمدفعية ورشاشات “الشيلكا”، منع الصيادين من الصيد فيها أو الاقتراب منها.

مناطق محرمة:

يقول “أبو عمر” لحرية برس، وهو أحد صيادي السمك في مدينة الحولة: “مهنة الصيد هي المهنة الأكبر لمعظم سكان منقطة تلدو في مدينة الحولة منذ القدم، ومع انطلاق الثورة السورية وخروج المدينة عن سلطة النظام، سيطر جيش الأسد من خلال حملة عسكرية على مؤسسة المياه المطلة بشكل مباشر على كامل سد تلدو، وأصبح من المستحيل الوصول للسد لأنه بمجرد وقوفك بجانب السد فإنك تصبح تحت مرمى نيران قناصة مؤسسة المياه، ومعرض للموت بشكل كبير، ما أدى إلى امتناع الصيادين عن الصيد فيه بشكل كامل، خوفاً على حياتهم، على الرغم من توفر الأسماك بكثرة وسهولة صيدها فيه”.

ويتابع “أبو عمر” قائلاً : “تحول الأهالي الصيادون بعد ذلك إلى الصيد من الأنهار التي تغذى بمياه السد، ولكن ذلك يكون في فترات معينة، حين يقوم الجيش بفتح مياه السد باتجاه هذه الأنهار، وطبعا بفترات محدودة تتبع لمزاجية الجيش، بالإضافة إلى أن هذه الأنهار أيضا مصدر ري لـ 90% من الأراضي الزراعية التي يعد إنتاجها مصدر الدخل الرئيسي في تلدو”.

أرزاق في مهب الريح:

يروي لنا “رائد الحيان”، وهو من سكان بلدة “طلف” بريف حماة الجنوبي المتاخمة لسهل الحولة، ويعمل بصيد الأسماك منذ ثماني سنوات: “أصبح مردود الصيد في الأنهار التي تمر من البلدة قليلاً جداً، ذلك بعد أن عمد النظام عدة مرات إلى إغلاق مياه السد في مدينة الحولة، ففي كل يوم ومنذ الصباح الباكر أقف على طرفي النهر، وأرمي بشباكي راجياً من الله أن يرزقني، أنتظر لعدة ساعات لأحصل بعدها على سمكة أو سمكتين، وقد أمضي طوال النهار على كيلو غرام واحد فقط من الأسماك، مما يضطرني إلى بيعه في الأسواق بسعر (1000 ل.س)، وشراء حاجيات أخرى أهم بدلاً عنه، والتي غالباً ما تكون مادة الخبز بسعر (250ل.س) للربطة الواحدة، فأقوم بشراء أربع ربطات لعائلتي البالغ عددهم 10 مع زوجتي و أطفالي وأمي”.

في نظرات عيون “رائد” التي تفيض بالحسرة، تستطيع أن تقرأ ما يعتمل بداخله من أمواج الألم والمعاناة التي اصطدمت على مدار سبع سنوات من الثورة بصخرة منع قوات النظام لدخله ومصدر رزقه الوحيد الذي امتهنه منذ زمن.

وقال بينما يرمي بقايا شبكة متهرئة: “استبشرت خيراٌ عند الاتفاق على خفض التصعيد ووقف إطلاق النار، فأنا سابقاً كنت أحصل كل يوم على 25 كيلو غرام من الأسماك عندما كانت مياه السد مفتوحة باتجاه الأنهار، فآخذ قسماً مما أصطاده لعائلتي وأبيع القسم الآخر، حيث كنت من خلال صيدي مكتفٍ ذاتياً ولست بحاجة لأطلب المعونة من أحد”.

كنت صياداٌ.. ولكن ؟

“وئام إسماعيل” شاب ثلاثيني وأحد صيادي بلدات ريف حماه الجنوبي، يقول: “أستيقظ باكراً لأنطلق إلى النهر المجاور لقريتي، لأصطاد ما قسم الله لي من رزقه، وهو عمل صعب لأنه يحتاج إلى صبر طويل ويعلم الإنسان التروي والهدوء في طلب رزقه، وفي آخر النهار أحمل ما اصطدته لأبيعه وأشتري بثمنه خبزاً لأطعم أولادي الخمسة مع زوجتي، وهكذا أعيش مع عائلتي، فاليوم الذي أصطاد فيه أطعمهم، أما اليوم الذي لا أصطاد فيه نتحمل الجوع حتى اليوم الثاني وهكذا تمر الأيام”.

يضيف “وئام” قائلاٌ: “مؤخراٌ انخفض مستوى المياه في النهر الذي كنت اصطاد فيه وأصبح صيد السمك فيه أمراً بالغ الصعوبة لقلة توفره، حيث كاد النهر أن يصبح جافاً بسبب قلة المياه الآتية من السد باتجاه النهر، ما اضطرني إلى البحث عن عمل لآخر كي أستطيع أن أطعم عائلتي، وأنا الآن أعمل في مجال نقل البضائع وبيعها، على الرغم من أن مهنة صيد الأسماك هي المهنة المفضلة لدي، لكن ظروف الحرب والحصار أجبرتني للتخلي عنها”.

تداعيات صحية خطيرة :

حذر الطبيب “مصعب الابراهيم” وهو أحد أطباء مدينة الحولة، من التداعيات الصحية الخطيرة التي قد ترتب على غذاء السكان من صيد الأسماك في المنطقة، “ذلك أن مياه الصرف الصحي للقرى الموالية تصب في منابع الأنهار التي تقع في أراضيهم، ويعتبر الزئبق معدناً بالغ الخطورة ويؤثر على الجهاز العصبي للإنسان وعلى قدراته العقلية، وإذا كانت نسبة الطفيليات عالية في الأسماك فإن المرء سيعاني عندئذ من أمراض طفيلية ونحن لا نعرف ماذا في هذا الخليط من مياه المجاري”.

وأردف الابراهيم قائلاٌ: “هناك حالات مرضية كثيرة وصلتنا، لها عوارض كالإقياء والإسهال المزمن، وعند سؤال المريض ماذا أكلت؟، كان الجواب غالباٌ أنه تناول وجبة من السمك ومن ثم حدثت له هذه الأعراض، فننصح قبل إعداد وجبة السمك أن يوضع في الثلاجة عدة أيام وينقع بخل الرمان لعدة ساعات، ذلك للقضاء على الطفيليات التي ربما تكون موجودة داخل السمكة، بسبب تلوث مياه الأنهار، وعدم اتباع أساليب الصيد الحديثة كوضع السمكة في وعاء نظيف بعد اصطيادها، لاسيما أن جميع الصيادين في المنطقة يعتمدون على أساليب بدائية في الصيد”.

Print Friendly, PDF & Email
رابط مختصر
2018-01-02
فريق التحرير