حكاية سوريا – الصراع الطائفي والمذهبي

زكي ناظم

انطلقت الثورة السورية كما تحدثت سابقاً نتيجة ظروف موضوعية كالاستبداد والقهر وغيرها، والتي كانت تقسم المجتمع السوري لفئتين، فئة العائلة الحاكمة ومريديها والمنتفعين منها، وأعضاؤها من كافة أطياف الشعب السوري، وفئة المسحوقين المظلومين، وهي تنتمي أيضاً لكافة أطياف الشعب السوري.

لهذا فالثورة السورية ثورة وطنية، تسعى للانتقال من نظام مستبد قاتل ناهب للشعب وللدولة، إلى نظام ديمقراطي تعددي، وقام بها الشعب السوري بكل أطيافه، وعلى امتداد الجغرافيا السورية، فخرجت المظاهرات في السويداء ودرعا ودمشق وريفها وحمص وحماه والسلمية وطرطوس واللاذقية كما خرجت في دير الزور والقامشلي و… تنادي بالحرية من هذا النظام المستبد، ونادت “واحد واحد واحد الشعب السوري واحد”، ونادت أيضاً “لا سلفية ولا اخوان، ثورتنا ثورة أحرار”.

لكن النظام وبما امتلك من خبرة في أعمال الدناءة والقذارة، استطاع أن يواجه تحركات الشعب بكل مكوناته، مستفيداً مما جهز له في بنية المجتمع من تقسيم وغياب للسياسة، وتصعيد في كل ما هو غير وطني من مناطقية وعشائرية وطائفية وأضاف عليها التهويل والنشر في تمييز طريقة مواجهة المظاهرات بين منطقة وأخرى، ومع أنه كان هناك نوع من التمييز المقصود من النظام لإيقاع مكونات الشعب السوري بين بعضهم البعض، إلا أن التهويل والنشر أعطى انطباع أن الأقليات المذهبية والقومية مستهدفة بطريقة أقل مما استهدف العرب السنة، مع أن الاعتقالات والتصفيات غير الظاهرة على الاعلام استهدفتهم أيضاً مثلهم مثل كل أفراد الشعب السوري.

كما روج شبيحته لمقولات طائفية وعنصرية، متعمدين إثارة العواطف والأحقاد، من قبيل “مين ربك ولاه”، والسجود لصورة بشار، و.. إلخ، وتعمد تسريب مقاطع الفيديو التي تضم مجازر وأعمال إجرامية قذرة يتحدث فيها عناصره بلهجة العلويين. وقام النظام بدس بعض عناصره في صفوف الثورة الشعبية، ورددوا مقولات صنعت في أقبية المخابرات، مشجعاً على تقسيم الشعب السوري الذي خرج موحداً ضده.

ومع ظهور “العرعور” الذي شجع بشكل أو بآخر على تطييف ومذهبة الثورة، بدأت تظهر داخل المظاهرات شعارات طائفية مذهبية، شعارات ما قبل وطنية، وساهم غياب المعارضة السياسية عن الشارع، وعدم تنظيمه، وتحولها للصراخ والشتم على المنابر الإعلامية واستجداء التدخل العسكري الأجنبي بحجة حماية المدنيين، واستغراقها بالصراعات الجانبية بين بعضها ودفع المتظاهرون الثائرون على النظام، لدخول في متاهات ألاعيبهم ومحاولاتهم الهيمنة على الثورة الشعبية واقصاء باقي فرقاء المعارضة، في إضافة انقسامات جديدة إضافة للانقسامات التي كان النظام قد صنّعها وجهزها لمثل هذا اليوم.

ومع استهداف النظام لكوادر التنسيقيات الأولى التي كانت واعية لمحاولات النظام، وعدم تمكنها من التحول لظاهرة سياسية تستطيع تمثيل الثورة وتقدم برامجها الحقيقية، بعيداً عن برامج المعارضة السياسية المتصارعة على المناصب والهيمنة، إضافة لانتشار التيارات الدينية غير المسيسة، وابراز النظام لقيادات دينية من رجال الدين المسلم والمسيحي إضافة للفعاليات العشائرية والمناطقية، ظهرت في أوساط المظاهرات شعارات غير وطنية متأثرة بدعاية وتعبئة رجال الدين ساعدت النظام وعززت فعله في تقسيم المجتمع السوري، ومع بداية التسلح وهيمنة رجال الدين هؤلاء على المجموعات المحلية المسلحة غير المنظمة وغير المسيسة والتي لا تمتلك أي فكر سياسي سوى التعبئة الدينية الشعبية التقليدية، والمتأثرة بدعاية رجال الدين الذين كانوا يمولون معظم النشاط المسلح في بداياته، بدأت تظهر أسماء “دينية مذهبية” لهذه المجموعات المحلية المسلحة، وسقطت في فخ النظام ومارست بعض الأعمال الطائفية كردة فعل غاضبة وعشوائية غير منضبطة على أعمال النظام ولا تمثل هذه الأفعال بأي حال من الأحوال حالة منظمة سوى أنها ردود أفعال متوقعة في ظل غياب التنظيمات السياسية، وتغاضي المعارضة السياسية التقليدية التي كانت موجودة آنذاك عن هذه الأسماء ومحاولاتها التقرب من رجال الدين ومن الفعل الطائفي الذي كان ينمو بفعل سيطرة رجال الدين وقذارة أفعال النظام ودعايته التي نجح فيها بشكل رهيب، بدأت المكونات الأخرى للمجتمع السوري في الخوف، وساهم أيضاً هيمنة الطيف السني على العمل العسكري بتمويل ودفع من رجال الدين وبعض الدول التي ادعت صداقة الشعب والثورة السورية، وابعاد كل المجموعات العسكرية التي تشكلت من أطياف الشعب السوري غير السنية، في جعلها ترتعب وتبتعد عن الثورة السورية ومعركتها في الحرية من هذا النظام المستبد، وبهذا تم تحييد فئة مهمة من الشعب السوري عن معركة الحرية من الاستبداد الذي يعاني منه كل الشعب السوري، وفي كل مرة تنفذ فيها هذه المجموعات العسكرية المذهبية الطائفية التي تعاظم دورها بفعل دعم الدول لها – لنا في تصريحات وزير الخارجية القطري الذي أكد أنهم كانوا يمولون النصرة وبإشراف أمريكي خير دليل – أعمالاً طائفية يزداد رعب المكونات السورية الأخرى، وقسم كبير من الشعب السوري المعتدل، ويزداد ابتعادهم، بل تحولهم للعداء.

Print Friendly, PDF & Email
رابط مختصر
2018-01-06
زكي ناظم