تمكين المجتمع المدني في سوريا هو المفتاح لإعادة الإعمار

دمار واسع إثر غارات روسية على مدينة جسر الشغور بإدلب ٢٦_٩_٢٠١٧

إن المجتمع المدني المفعم بالحياة هو المفتاح لمستقبل سوريا. ولكن بالنظر إلى مناطق خفض التصعيد في سوريا ، فإنّ التقدم الذي أحرزه الناشطون السوريون والعاملون في المجال الإنساني بعد جهد جهيد هو الآن عرضة لخطر التضاؤل تحت شعار “الانتعاش المبكر” و “إعادة الإعمار”.

وقد كانت هذه هي رسالة السوريين في الدورة الثانية والسبعين للجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك الأسبوع الماضي. وفي يجتمع قادة العالم لمناقشة مستقبل سوريا (في ظل غياب أي تمثيل سوري في معظم الأحيان) ، فقد باتت نقطة واحدة واضحة تماماً تتلخص بأن سوريا تواجه منعطف تحول خطير.

لقد تضاءل الاهتمام الدولي في مواجهة الصراعات الحاسمة الأخرى مثل كوريا الشمالية وبورما، وبدأت المحادثات حول سوريا بالتحول بهدوء بعيداً عن حل سياسي مراوغ، وتتجه نحو إعادة الإعمار بعد انتهاء الصراع.

وإن الأسباب الكامنة وراء هذا التحول باتت واضحة حيث إن بعضها إيجابي. فقد تضاءلت مستويات العنف ، كما أن معاقل داعش آخذة بالتناقص ، وإضافة إلى ذلك فإن الهجمات الجوية التي يرعاها النظام تضاءلت أيضاً في بعض أنحاء البلاد.

وعلى ضوء هذه الحيثيات، فإن البلدان تتوق إلى المساعدة في إنعاش واستقرار البلاد بالإضافة إلى إعادة إعمارها. وتأخذ جماعات المجتمع المدني السوري على عاتقها إزالة الألغام، وإعادة إصلاح الكهرباء، بالإضافة لتأمين مصادر المياه الملائمة، وضمان حصول جميع السوريين على الغذاء والرعاية الطبية.

ولكن بقدر ما يتراجع العنف، فهناك خطر مخفي في التحرك بسرعة هائلة نحو الانتعاش خصوصاً إذا كان ذلك على حساب الحريات وقيم المجتمع المدني السوري . فلا ينبغي الخلط بين التلاشي والسلام ، حيث إن السعي من أجل الحرية السورية لا يمكن شراؤه من خلال الوعد بالاستقرار.

والحقيقة هي أنه في حين أن العنف قد انخفض ، إلا أنه لم يختفي بالكامل. حيث قُتل في آب/أغسطس حوالي 800 مدني في جميع أنحاء سوريا. كما سجلت إدلب وهي أحد مناطق خفض التصعيد الأربعة خلال 72 ساعة أكثر من 500 غارة جوية. ومازالت المستشفيات تتعرض للقصف، كما تتعرض المدارس أيضاً للهجوم، ويتم قتل عمال الإنقاذ. ولايزال أكثر من 800000 سوري عالقين في المناطق المحاصرة ، فضلاً عن نقل الآلاف قسراً إلى إدلب. هذا ليس ما يبدو عليه السلام ، وهذا بالتأكيد ليس سبباً لإعادة الإعمار.

وفي حين أفضى إنشاء مناطق خفض التصعيد إلى الحد من العنف بشكل فعّال، إلا أننا شهدنا انحساراً في الحريات التي ناضل ومات من أجلها السوريون. وبالحديث عن المناطق التي توقف فيها العنف على نحو فعال، فمازالت انتهاكات حقوق الإنسان مازلت قائمة ، بالإضافة إلى كل من الاحتجاز التعسفي، التشريد القسري، والتهديد المستمر بالانتقام.

وفي ظل الحديث عن خفض التصعيد، لايزال عشرات الآلاف من السوريين محتجزين ويختفون قسراً.

وفي حال ارتكاب خطأ وبدون الحاجة إلى التدخلات المُلحة من المجتمع المدني فإن هذا الاندفاع الناشئ لإنعاش وإعادة إعمار مناطق من سوريا يخاطر بترسيخ هذه الاتجاهات أو حتلا تفاقمها. وعلاوة على ذلك ، فإن هذه المناطق قد تتسبب في أن تصبح حلول طويلة الانقسام بدلاً من اتخاذ تدابير مؤقتة.

وفي حال لم يتم توجيه المرحلة القادمة من العمل في سوريا من خلال مجتمع مدني شامل يُسمح له بالعمل داخل هذه المناطق ، وتم الاقتصار عوضاً عن ذلك بمجموعة حصرية ممن ارتكبوا جرائم حرب، فإنه من غير المحتمل على الاطلاق أن تكون أموال إعادة الإعمار موزعة بشكل ديمقراطي أو منصف عبر المناطق . وهذا من شأنه أن يؤدي إلى إعادة خلق أوجه عدم المساواة ، حيث تصبح بعض المناطق غير مستفيدة فيما تصبح مناطق أخرى معاقبة مرة أخرى. إن هذا التمويل سيواصل تأجيج هذه الحرب ويجهّز للاستعداد لأخرى.

ولتحقيق العدالة للسوريين فإنه يجب تقديم المساعدات المستقبلية إلى سوريا بطريقة تعزز جهود الناشطين والعاملين في المجال الإنساني على أرض الواقع. كما يجب أن يكون هناك معايير واضحة لمناطق خفض التصعيد مثل عدم السماح بدخول القوات المسلحة ، وضمان حرية التنقل للحد من خطر إنشاء مناطق أخرى معزولة مثل المخيمات ، والسماح للمجتمع المدني السوري بالتدخل للعمل ومراقبة الأنشطة في تلك المناطق.

وفي ظل هذه الظروف، يمكن أن تكون المناطق هي الترتيبات المؤقتة اللازمة لإيجاد حلول قابلة للتوسع في سوريا، والاستعداد لمجتمع ديمقراطي شامل وعادل.

إن المجتمع المدني السوري يدرك احتياجات الشعب وهو في وضع فريد من نوعه يؤهله لقيادة سوريا إلى مستقبل مستقر وسلمي ، ابتداءاً بإجراء انتخابات محلية وانتهاءاً بطرد المتطرفين.

وفي نهاية المطاف، لن ينهي أي قدر من المعونة الحرب، وقد لا تؤدي الخيارات الحالية للقيام بذلك إلى وقف النزاع بشكل دائم. ل ايمكن تحقيق ذلك إلا من خلال حل سياسي يشكله السوريون. وطالما أن الانتقال السياسي مايزال بعيد المنال ، فإن انتعاش سوريا كذلك الأمر.

وقد تلعب صناديق إعادة الإعمار دوراً في وضع الأطراف المتنازعة إلى التفاوض ، ولكنها تخاطر أيضاً بإعادة كتابة نهاية الصراع بطرق تؤدي إلى المزيد من الاضطرابات والعنف. إلا أنه يمكن للمجتمع الدولي أن يضع المقاييس لصالح السلام طويل الأجل من خلال توزيع المساعدات بواسطة السوريين أنفسهم بدلاً من أطراف النزاع ، والتوقف عن تجاهل الحاجة إلى المساءلة والعدالة الانتقالية.
المصدر - دراسة أعدها المجلس الأطلسي "Atlantic council" ترجمها إلى العربية إسراء الرفاعي - حرية برس
رابط مختصر
2017-10-11 2017-10-11
غير معروف
إن الموقع غير مسؤول عن المحتوى أو المعلومات أو أي مواد أخرى معروضة على المواقع الأخرى التي يتم الدخول عليها من خلال الربط عن طريق الموقع كما أنه لن يكون مسؤولا عن استخدام خدمات تلك المواقع الأخرى .
أترك تعليقك
0 تعليق

يجب عليكمتصل بـإذا أردت إضافة تعليق

فريق التحرير