الأسد المفترس وسباق القتل والتشريد

سليمان طه

هو أقرب ما يكون لسباق ضمن مضمار واحد بين القتل من جهة والتشريد من جهة أخرى، كل هذا يجري على حلبة الصراع السورية برعاية الأسد المفترس الذي برع بكثير من الجرائم؛ أهمها القتل والتشريد.

كل التطورات الميدانية و السياسية، تأتي تزامناً مع ازدياد وتيرة القتل وسياسة التهجير الممنهجة التي تتبناها قوات الأسد، تجلى ذلك طيلة سنوات ثورة الشعب السوري المستمرة ضد نظام الطاغية بدمشق.

لا شيء يوقف شلال الدماء في ظل القتل الممنهج، ولا شيء يوقف سياسة التغير الديموغرافي التي اجتاحت كما القتل معظم المدن والبلدات الثائرة على نظام الأسد.

تتسارع الأحداث لكنها تبقى على المنوال ذاته، فهذه قصتها منذ البداية تثبت أن مضي الأعوام لم يغير شيء.

انطلق الشعب السوري في ثورته في منتصف شهر آذار/ مارس من عام 2011، عندها بدأت حكاية ثورة لا تعرف الركوع ضد سلسلة سياسات اتبعها الأسد، لكتم صوت الأحرار، حينها بدء السباق بين القتل والتشريد.

ومعه بدأت أدوات نظام الأسد الذي زلزلته صيحات الثوار، بقتل الأبرياء وتشريد سكان المدن الثائرة، في ظل حرب غير متكافئة الأطراف فالأول شعب ثائر والأخير نظام يواجه المظاهرات السلمية بكافة أنواع الأسلحة، ليبقي على صفته كـ” قاتل ” منذ أن قرر الشعب أن يقول كلمته.

مأساة القرن، الحرب الأكثر دموية، إبادة جماعية، محرقة العصر، كل هذه العبارات تخفي في طياتها القليل من ممارسات نظام الأسد، وميليشيات متعددة الجنسيات أتى بها لبقاء السباق بين القتل والتشريد بوتيرة مرتفعة بشكل يومي، ومع ارتفاع وتيرة القتل والمذابح الجماعية، ينتقل الأسد يومياً إلى مرحلة جديدة من الإرهاب ضد شعبه الثائر، وليست مرحلة إحراق جثث الشهداء بعد ذبحهم والتمثيل بهم آخر ما توصل إليه.

الحرب الشاملة التي تشهدها المدن السورية الثائرة لم تكن وليدة اللحظة، في كل لحظة تتصاعد حدة القتل والتشريد برعاية نظام الأسد، مع اندلاع الثورة، آلة القتل بدأت عملها ضد المتظاهرين، حيث أن قتل العشرات ضمن مظاهرة سلمية، خبر اعتادت عليه وسائل الإعلام العربية و العالمية خلال أعوام الثورة الأولى. في حين تزايدت أنواع الذخيرة والأسلحة المستخدمة يومياً بحق المدنيين المطالبين بالحرية والكرامة، سباق القتل والتشريد في بداياته وحكومة بشار الأسد لا تعرف الرحمة، كل هذا يجري على مرأى ومسامع العالم.

أذكر مع تسارع الأحداث حينها كيف قامت قوات الأسد ولكي توازي بين القتل و التشريد بدأت حملات الإعتقال، لا أخالف الحقيقة عندما أقول أنها كانت تستهدف كل شيء متحرك، ذنبه الوحيد الإقامة في حي ثائر أو الانتماء إلى مدينة واجهت الأسد المفترس وطالبت بحقها بالحرية والعيش الكريم.

الرصاص الحي وقذائف الأسد تنال من كل شيء، كان الصمود عنوان المدن الثائرة، فالمظاهرات تخرج بشكل أسبوعي، يتم فضها بالرصاص من قبل قوات الأسد التي يفترض انها لحفظ الأمن وسلامة المواطن، على عكس المفروض قامت تلك القوات بقتل من قال لنظام لأسد أن لا يمكن لمن يقتل شعبه أن يحكم سوريا.

كانت أعداد الثوار تتزايد تدريجياً، حيث وصلت ضمن عشرات المظاهرات على امتداد التراب السوري، قدرت بعضها بالمليونية، رغم حاجز الخوف قبيل تحطمه، وسياسات القتل والتشريد المتبعة من قبل قاتليهم، خرجوا ورددوا شعارات الثورة السورية الثابتة منذ ذلك الحين.

وأذكر آنذاك أن هذه الشعارات جعلت نظام الأسد يفقد صوابه، ويبدأ بسياسة الأرض المحروقة التي اتبعها في الكثير من المدن السورية، رداً على الشعب الأعزل، تجسد هذا بالقصف المدفعي والصاروخي يستهدف بشكل مباشر منازل المدنيين، تمهيداً لاقتحام المدن بعد “قتل وتشريد” أهلها.

هذا حال مدينة تلبيسة مع بداية استهدافها ضمن سياسة النظام الإنتقامية لإرهاب شعبه الثاثر، خوفٌ لا انسى لحظاته ذلك الذي أصاب الأطفال والنساء، عندما بدأت العائلات تخرج من منازلها مشردة تحت وطأة القصف الهمجي الذي كان يأتي من قبل قوات الأسد تنفيذاً لسباق القتل والتشريد ضد الأهالي.

القصف لا يستثني أحداً وهدفه كل مدني، لا تغادرني تلك اللحظات المؤلمة عندما أيقنت أني مع عائلتي ضمن دائرة محاصرة بالنيران، أيقنت أن توثيقي لتلك المشاهد أول ما أقوم به ضد هذا النظام المجرم، على الجميع أن يرى كيف يواجه شعب أعزل ثائر جحيم القصف بمفرده.

يومها قاطعني عن تنفيذ تلك الخاطرة صوت انفجار حدث أمام منزلي، لترمي بي تلك القذيفة الصاروخية عدة أمتار، أدخلتني في صراع حقيقي مع صرخات ودموع الأطفال و النساء، شعرت بالخوف ولكن ليس على نفسي، نحن حقاً أمام سباق بين أدوات النظام لا تشبع من دمائنا ونحن بين القتل والتشريد المستمر ضدنا، الأشلاء هناك كانت تعبر عن أن قتلنا على يد نظام الأسد وحلفائه شيء ممنهج.

تلك السنوات كانت كفيلة بأن يفهم كل ذي لبّ أننا نواجه أكثر نظام إجراماً على الإطلاق، صدى المدفعية يختصر حكايا التشريد وانواع القتل الممنهج، من منا لا يذكر ثبات أعداد الشهداء على مدى اشهر نحو الـ 100 قتيل يومياً، هذا القتل الممنهج كان يتخلله مجازر وحشية لإرهاب الشعب وزرع الخوف فيه.

دخلت مدينة تلبيسة كما حال المدن الثائرة ضد الأسد مرحلة الدفاع عن النفس وتشكلت كتائب الجيش السوري الحر، أذكر أن انتقام النظام ازداد وحشية وكانت تلك السياسات تقترن مع اتخاذه ذرائع للاستمرار بالقتل لطالما سخر منها المتظاهرون وعبروا عند ذلك بجملة من اللقطات المصورة التي ستخلد حكاية شعب لا يعرف الركوع، يضحي بكل شيء في سبيل نيل الحرية والكرامة المنشودة.

سلسلة الاقتحامات العشوائية، نفذتها قوات الأسد في جميع أحياء مدينة تلبيسة، كانت تقضي بقتل وتشريد المتظاهرين، خلال اقتحام المنازل السكنية، كما كل سوري ثائر لا أستغرب مما حدث عندما أكون ضحية قصف تارة وضحية أعتقال كانت قاب قوسين، تارة أخرى، ضمن سباق النظام بالتشريد قامت باقتحام المدينة الثائرة، وتقطيع أوصال المدن بالحواجز والقطعات العسكرية، كل هذا لم يمنعنا من الاستمرار بالتظاهر طيلة تلك السنوات المنصرمة.

كما أن انتقام النظام الأسدي يتمثل بحرق المدينة التي حررها أبناؤها، فإن اختزال كل هذا يكون، بالضرب بالعصي والسلاسل الحديدية والاعتقال والتعذيب حتى الموت، وهي تمثل مسيرة النظام المجرم في سباقه بين القتل والتشريد لم تنتهي مع استخدام نظام الأسد لكافة الأسلحة المحرمة دولياً، منها الغازات الكيماوية، يشابه حال تدخل الميليشيات الطائفية الذي تطور وأصبح تدخل صريحاً للدول.
Print Friendly, PDF & Email
رابط مختصر
2017-12-20 2017-12-20
سليمان طه