أسامة محمد كاتب ومخرج سينمائي سوري يحصد جائزة البحر المتوسط

المخرج السوري أسامة محمد

رغدة حسن – باريس: قبل عامين حصل فيلم “ماء الفضة”، للمخرج السينمائي السوري أسامة محمد على جائزة “جريسون” لأفضل فيلم وثائقي في مهرجان لندن السينمائي، وحصل الفيلم على الجائزة الكبرى في مهرجان “إف” السينمائي في تركيا 2015. الشهر الماضي، أكتوبر، كرّم أسامة محمد بحصوله على جائزة البحر الأبيض المتوسط في فالنسيا بإسبانيا.

ولطالما كانت نافذة أسامة محمد تأخذنا، كمشاهدين، من قهر الطفولة النائية، إلى احتمالات الخلاص، توقد دفء الممكن القريب بكل سحره، فتتوهج أحلامنا. نسافر معه، نرتدي عينيه المستحيلتين في التقاط مواطن الوجع والقهر، نتتبع خارطة أرواحنا وأجسادنا مدركين ما يخبرنا به، متحررين من الخوف والصمت.

من دون أن ينصب نفسه أستاذًا ومعلمًا، يتمكن المخرج الجريء من أن يأخذ مشاهديه إلى استكشاف الطرق الوعرة لينبشوا بأدواتهم عن مخابئ الجمال والاستدلال بلافتاته التي تومئ بالاتجاه الصحيح. الجمال الذي لامسته أصابع أرواحهم عبر عدسة المخرج العبقرية، التي تذهب بهم في مغامرة المقارنات، بين واقع صقيعي مستلبة فيه الأحلام، إلى آفاق من الإيقاعات الجريئة التي تغير جهة الجاذبية، مسقطًا التفاح بذلك من معادلته الخطيرة، لتحتل الرؤى عدسته الإبداعية.

برمجة الإنسان

ولد أسامة محمد في اللاذقية في ربيع العام 1954. ودرس في المعهد الحكومي للسينما بموسكو. كان فيلمه “خطوة فخطوة” الخاص بالتخرج في العام 1979 هو أول فيلم قصير له، تدور أحداثه في قرية “الرامة” في ريف اللاذقية، ويسلّط الضوء فيه على شريحة من سكان ذلك الريف، وكيف حوّل نظام البعث غالبية هذه الشريحة بكلّ مكوناتها إلى أدوات طيّعة، عاجزة إلا عن تقبل الواقع، منسجمة مع مقولاته، راضخة بل ومؤمنة به، فذاك العسكري حين سئل إذا كان أحد من عائلته قام بمعارضة السلطة/النظام ماذا عليه أن يفعل؟ يجيب بأن عليه تنفيذ الأوامر دون تفكير.

بعدسته الناقدة كان محمد يسجلّ كل شيء. مؤرخاً اللحظة، عبر سيل من الصور محمول على بؤس الواقع، وفجاجته وغرابته أيضاً، “إذ كيف لأيّ كان يعيش كل هذا القهر القادم من تفاصيل واقع قاس، أن يمتثل دون أيّ محاولة للتفكير بمزاج السلطة وتطبيق قانونها الموجّه ضد الإنسان”. في هذه الدائرة كانت عدسة محمد تدور، تولد أسئلة متتالية، متوغلة في الكثير من الأماكن العصية على الإجابة، لتصبح حجر رحى تحاول أن تطحن ما يعوقها من امتلاك الحقيقة-الإجابة، فتأتي الصورة-الرسالة، قاسية وصادمة غالبًا، توقف عجلة الزمن في لحظة التساؤل الموجع.

“نجوم النهار” الفيلم الذي جذب الأنظار إليه، تغلب عليه صبغة التهكم والانتقاد والكوميديا السوداء التي تسلط الضوء على واقع بسيط وشخوص مستغلة من فئة قليلة مقربة من جهاز السلطة. جعل أسامة محمد شخصيات الفيلم تتحدث بلسان أبناء الطائفة العلوية

في تعريفه عن نفسه يقول محمد “أنا أسامة محمد سينمائي سوري. السينما هي الطائفة اللقب. فالسينما لا تنحني لطائفة. وإذا انحدر الإنسان، فلا أهمية لمنحدره الطائفي”. هو القادم من جينات قديمة، أبعد من الأديان والأقوام والطوائف. يقول في كل المحافل التي استضافته “أنا الإنسان ابن الطبيعة وكل ماعدا ذلك رياضة مؤقتة”، ليبقى المخرج السينمائي المنحاز للإنسان دائماً وهذا ما تشرّبه من عائلته.

ويضيف “السينما، مملكة الضوء التي تحررنا من الأنساق والاصطفافات الضيقة المتوارثة، في حصّتيّ الجينية والوراثية من ثقافة أجدادي البيولوجيين والسينمائيين واجتهادي. أنا اليوم ابنهم وابن الأحياء المدمرة في حمص وحماة ودمشق والزبداني وحلب ودير الزور ومخيم اليرموك”.

فيلمه “نجوم النهار” الذي جذب الأنظار إليه، تغلب عليه صبغة التهكم والانتقاد. الكوميديا السوداء التي تسلّط الضوء على واقع بسيط وشخوص مستغَلة من فئة قليلة مقرّبة من جهاز السلطة، تتحدث شخصيات الفيلم بلسان أبناء المنطقة الساحلية، منتقدًا فساد الفئة الحاكمة وطريقة معيشتها، ما أثار حفيظة النظام-السلطة، ليكون مصير الفيلم المنع في سوريا، مع مفارقة تدعو للسخرية أن الفيلم كان حاضرًا في مهرجان دمشق السينمائي، على الرغم من كونه لاقى إقبالا جماهيريًا كبيرًا في كل مكان ومناسبة عرض فيهما.

حاولت المؤسسة العامة للسينما في سوريا، شلّ قدرات أسامة محمد الإخراجية، بعد منع فيلمه، وتذرّعت بأنه يتناول جوانب تنتقد النظام السياسي وتعرض أحوال الطائفة العلوية، بيئة أسامة محمد ذاته، ليغيّب المخرج الشاب المختلف سنوات طويلة عن مشاهديه، ويحضر من خلال مساهماته المميزة مع أًصدقائه من المخرجين السوريين، كمساهمته في كتابة سيناريو فيلم “الليل” للمخرج محمد ملص في العام 1992، الذي حاول فيه سبر أغوار الواقع في بلاد حولت فيه السلطة الانكسار والهزيمة إلى انتصار مزعوم، مغرقة الناس في مشكلات مزمنة.

سنوات طويلة تمر قبل أن يتمكن أسامة محمد من تقديم فيلمه “صندوق الدنيا” وهو من إنتاج فرنسي-سوري مشترك

في العام 2002 يتمكن أسامة محمد من تقديم فيلمه “صندوق الدنيا” وهو من إنتاج فرنسي-سوري مشترك، وهذا الأمر كان يعتبر من الظواهر الجديدة في إنتاج المؤسسة العامة للسينما. وكان العقد المبرم بين المؤسسة العامة للسينما ومؤسسة “آبيب” الفرنسية يشترط عرض الفيلم جماهيرياً في صالات أوروبا، لذلك فقد شارك “صندوق الدنيا” في المسابقة الرسمية لمهرجان كان.

كتب محمد السيناريو والحوار بنفسه، ما جعل الفيلم ينتمي إلى ما اصطلح عليه بـ”سينما المؤلف”، حال غالبية أفلام السينمائيين السوريين والمصريين. وتجري أحداث “صندوق الدنيا” في الريف أيضاً، في بلدة صافيتا قرب طرطوس، وهو عن عائلة مكوّنة من أجيال مختلفة، تعيش حال صراع وخلافات في إطار متغيّرات الحياة وظروفها المتبدّلة، وقد حاز الفيلم على العديد من الجوائز منها جائزة مهرجان الإسكندرية السينمائي.

ماء الفضة

في فيلمه “ماء الفضة” الذي قدمه في العام 2014 يضعنا أسامة محمد أمام الحقيقة عراة تمامًا إلا من الخوف ليعمّدنا بدمع الأمهات، الأمهات السوريات وصمتهن المفجع. يصفع المشهد السوري ضمائر العالم بكلّ ما فيه من موت ووحشية، بصورة لا لبس فيها، ناقلاً واقع ما يحدث هناك إلى صالات عرض عالمية وثيرة ودافئة. يمسك المشهد بتلابيب القلوب ويقبض عليها كأنها ورقة تُدعَك، وعبر الهاتف النقّال يسجل صرخة مازال صداها يتردد بدمويتها ووحشيتها، هذه سوريا الآن إذا كنتم لا تعلمون.

بعد أن كشف أسامة محمد في مهرجان كان السينمائي 2014 عن الوجع السوري بدقة التفاصيل، منح في 2015 جائزة الأمير كلاوس بعد أن جاء في تقرير لجنة التحكيم أن “المخرج السوري أسامة محمد منح هذه الجائزة لاستجابته الإنسانية والإضافة التي حققها للسينما السورية، وابتكار اتجاه جديد في السينما المرتكزة على وسائل التواصل الاجتماعي لإبراز واقع وطن مزقته الحرب”.

موطن الشعراء القتلى

من منصة فالنسيا في إسبانيا قبل أسابيع، أطل أسامة محمد معانقًا آلام السوريين ومنافيهم وعجزهم، فاردًا أصابعه في رحلة التيه السوري لتكون جسرًا لهم في حوض المتوسط والعالم أيضًا. قال في كلمته التي استطاعت أن توجز الألم والمنفى إن “سوريا هي موطنُ الشعراء القتلى. شعراء قتلى، لأن أولئك السوريين كانوا يتظاهرون طلبا للحرية والعدالة. يؤلِّفون على الهواء حقوقَ إنسانِهم الجوهرية. الخطرُ اليوم أكبر فالفاشية تقوم بتحديث نفسها. الفاشية تحدّث حتى لغتها. الفاشيّة تسرق معجم شرعة حقوق الإنسان وتعيد تدوير مفردة العدالة إلى ضدّها. تطلق على ضحاياها مفردة الإرهاب بقوة دمارٍ شامل، لتكرر قتلهم”.

العقد المبرم بين المؤسسة العامة للسينما ومؤسسة “آبيب” الفرنسية اشترط عرض الفيلم جماهيرياً في صالات أوروبا، ما أجبر السلطات السورية على عرضه

وأضاف محمد أنها جريمة مضاعفة وقتل جديد لمواطنين عظماء سبق أن قُتِلوا حين كانوا يتظاهرون من أجل العدالة والحرية، كما قال ايضا “جريمة مضاعفة أن يصطفي العالم اليوم أو غداً القاتلَ الأول شريكاً ليواجه قاتلاً ثانياً، كلاهما أول. السؤال السوري ليس معقداً كما يرغب أو يهرب الكثيرون نحو تسميته. في البدء لا بدّ من البدء من الحقوق الأساسية للإنسان في شرعة حقوق الإنسان. حق الحياة، حق حريّة التعبير، وحتى حق الموت الطبيعي. أصدقائي الأعزاء في فالنسيا؛ أنتم اليوم تمنحونني تمريرةً بَينيَّةً كريمة.. تضعني من جديد في مواجهة الهدف. إن هذه (الجائزة-المنحوتة-المخلوق الإنساني) التي أحملها بيسراي تعني لي الكثير، أشعر الآن أنني أتشاركها مع زملائي السينمائيين السوريين، وقد قاومنا الفاشية معا. وعملنا زمنا مديدًا نحو لغة سينمائية حرّة ووطنٍ حُرّ”.

يقول عن نفسه في حواره مع موقع “عين على السينما” إن مصطلح “علويّ معارض، خطوة إلى الأمام وخطوتان إلى الخلف. هكذا هو في داخلي النفسي، تبعاً للمنشأ والسياق وللغاية. مصطلح عَلَويّ مُعارض شرٌّ لا بدّ منه”. ويضيف إن “جدّي من أمي الشيخ علي كامل شيخ علويّ وقائد وطني حمل سُنّةُ حَمَاة سيارته تحيّةً لهُ، فقد رفض الدولة العلوية وناضل لسوريا الموَحدة. لا بدّ أنه وجد في موقفه هذا انسجاماً مع عقيدته وإيمانه”.

لا يرى أسامة محمد أنه يوجد معيار يمكن أن يعمَّم على جميع المخرجين أو على جميع البشر، سواء يتعلّق هذا الأمر بالحياة والحبّ أو “صناعة” الفيلم، ويضيف “على الرغم من أنني لا أحبّذ مفردة ‘الصناعة’ عندما أتحدّت عن السينما. لا علاقة للصناعة بنا وبتاريخنا. ‘صناعة فيلم’ تنتمي إلى عالم لا ننتمي إليه. الحياة والتجربة والظرف والبنية الفكرية تجعل المرء يفكر في أنّ السينما مبرر أساسي لوجوده في هذه الحياة. إما أن تُكافئ فرصة الحياة، وإما ألاّ تكافئها. هناك خلايا داخلية إما تؤدي إلى وجود فيلم وإما لا تؤدي. ليس ثمة سبب للسرعة. المعايير والحواس الإنسانية والفنية هي التي تعلّمك إذا كان ما بلغته أو تكاد تفعل، يستـحق أن يـأخذ وقـت الآخرين”. سينما أسامة محمد التي مُنعت في سوريا، كفيلم “نجوم النهار” مثلًا، احتفى بها العالم، وقُلّدت أوسمة باتت كبطاقة تعريف للسوريين، بعضهم كان يقول “أنا من بلاد أنجبت أسامة محمد وعمر أميرالاي وكثراً ممّن أضافوا إلى الهوية ألقًا نعتز به”.

  • صحيفة العرب
رابط مختصر
2016-11-26
غير معروف
إن الموقع غير مسؤول عن المحتوى أو المعلومات أو أي مواد أخرى معروضة على المواقع الأخرى التي يتم الدخول عليها من خلال الربط عن طريق الموقع كما أنه لن يكون مسؤولا عن استخدام خدمات تلك المواقع الأخرى .
أترك تعليقك
0 تعليق

يجب عليكمتصل بـإذا أردت إضافة تعليق

فريق التحرير